ما سمعها ، فإضلاله إنّما يمكن بإخفاء تلك الدّلائل عنه ، ومنعه من الوصول إليها .
فقوله :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
إشارة إلى القسم الأوّل وهو تشويش الدّلائل عليه ، وقوله :
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ
إشارة إلى القسم الثّاني وهو منعه من الوصول إلى الدّلائل .
واعلم أنّ الأظهر في « الباء » الّتي في قوله : ( بالباطل ) أنّها باء الاستعانة ، كالّتي في قولك : كتبت بالقلم ، والمعنى ولا تلبسوا الحقّ بسبب الشّبهات الّتي توردونها على السّامعين ؛ وذلك لأنّ النّصوص الواردة في التّوراة والإنجيل في أمر محمّد عليكم كانت نصوصا خفيّة ، يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال .
ثمّ إنّهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدّلالة على المتأمّلين فيها بسبب إلقاء الشّبهات ، فهذا هو المراد بقوله :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
فهو المذكور في قوله :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
المؤمن :
5 . ( 3 : 43 )
القرطبيّ : الباطل في كلام العرب : خلاف الحقّ ، ومعناه الزّائل . [ إلى أن قال : ]
واختلف أهل التّأويل في المراد بقوله : الحق بالباطلفروي عن ابن عبّاس وغيره : لا تخلطوا ما عندكم من الحقّ في الكتاب بالباطل ، وهو التّغيير والتّبديل .
وقال أبو العالية : قالت اليهود : محمّد مبعوث ولكن إلى غيرنا ، فإقرارهم ببعثه حقّ ، وجحدهم أنّه بعث إليهم باطل .
وقال ابن زيد : المراد ب ( الحقّ ) : التّوراة ، و ( الباطل ) :
ما بدّلوا فيها من ذكر محمّد عليه الصّلاة والسّلام وغيره .
وقال مجاهد : لا تخلطوا اليهوديّة والنّصرانيّة بالإسلام ، وقاله قتادة ، وقد تقدّم .
قلت : وقول ابن عبّاس أصوب ، لأنّه عامّ فيدخل فيه جميع الأقوال ، واللّه المستعان . ( 1 : 341 )
أبو حيّان : [ بعد نقل أقوال ابن عبّاس ، ومجاهد ، وابن زيد ، وأبو العالية ، قال : ]
أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم ، أو صفة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بصفة الدّجّال .
وظاهر هذا التّركيب أنّ « الباء » في قوله : ( بالباطل ) للإلصاق كقولك : خلطت الماء باللّبن ، فكأنّهم نهوا عن أن يخلطوا الحقّ بالباطل ، فلا يتميّز الحقّ من الباطل .
وجوّز الزّمخشريّ أن تكون « الباء » للاستعانة كهي في : كتبت بالقلم ، قال : كان المعنى ولا تجعلوا الحقّ ملتبسا مشتبها بباطلكم . وهذا فيه بعد عن هذا التّركيب ، وصرف عن الظّاهر بغير ضرورة تدعوا إلى ذلك .
( 1 : 179 )
2 -
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
آل عمران : 71
ابن عبّاس : بإظهار الإسلام ، وإبطان النّفاق ، وفي قلوبهم من اليهوديّة والنّصرانيّة مأمنا ، لأنّهم يدعون إلى إظهار الإسلام في صدر النّهار والرّجوع عنه في آخره ، لتشكيك النّاس فيه .
مثله قتادة . الطّوسيّ 2 : 497 )