ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ،
فقالت طائفة : ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع .
وحكى مكّيّ أنّ المراد بقول
( ما تُبْدُونَ )
قولهم :
( أَ تَجْعَلُ فِيها )
الآية .
وقال الزّهراويّ : ما أبدوه هو بدارهم بالسّجود لآدم . ( 1 : 123 )
ابن عربيّ :
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ
من عملكم بمفاسد الإنسان ،
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
من ترجيحكم ذواتكم عليه ، لنزاهتها وتقدّسها . ( 1 : 38 )
الطّبرسيّ : قيل : فيه أقوال :
أحدها : أنّه أراد أعلم سرّكم وعلانيتكم ، وذكر ذلك تنبيها لهم على ما يحيلهم عليه من الاستدلال ، لأنّ الأصول الأول الّتي يستدلّ بها انّما تذكر على وجه التّنبيه ، ليستخرج بها غيرها ، فيستدلّ بعلمه الغيب على أنّه خلق عباده على ما خلقهم عليه ، للاستصلاح في التّكليف وما توجبه الحكمة .
وثانيها : أنّه أراد واعلم
ما تُبْدُونَ
من قولكم :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ،
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ،
من إضمار إبليس المعصية والمخالفة .
قال عليّ بن عيسى : وهذا ليس بالوجه ، لأنّ الخطاب للملائكة وليس إبليس منهم ، ولأنّه عامّ فلا يخصّ إلّا بدليل .
وجوابه أنّ إبليس لمّا دخل معهم في الأمر بالسّجود ، جاز أن يذكر في جملتهم . وقد رويت روايات تؤيّد هذا القول ، واختاره الطّبريّ .
وثالثها : أنّ اللّه تعالى لمّا خلق آدم مرّت به الملائكة ، قبل أن ينفخ فيه الرّوح ، ولم تكن رأت مثله ، فقالوا : لن يخلق اللّه خلقا إلّا كنّا أكرم منه وأفضل عنده ، فهذا ما أخفوه وكتموه . وأمّا ما أبدوه فقولهم :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ،
روي ذلك عن الحسن .
والأوّل أقوى لأنّه أعمّ . ( 1 : 79 )
البيضاويّ : استحضار لقوله :
أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
البقرة : 30 ، لكنّه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجّة عليه ، فإنّه تعالى لمّا علم ما خفي عليهم من أمور السّماوات والأرض ، وما ظهر لهم من أحوالهم الظّاهرة والباطنة ، علم ما لا يعلمون .
وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، وهو أن يتوقّفوا مترصّدين لأن يبين لهم . وقيل :
( ما تُبْدُونَ )
قولهم :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ،
( وما تكتمون ) ، استنباطهم أنّهم أحقّاء بالخلافة ، وأنّه تعالى لا يخلق خلقا أفضل منهم .
وقيل : ما أظهروا من الطّاعة ، وأسرّ إبليس منهم من المعصية . ( 1 : 47 )
نحوه البروسويّ . ( 1 : 102 )
أبو حيّان : قال عليّ وابن مسعود وابن عبّاس رضوان اللّه عليهم أجمعين :
( ما تُبْدُونَ )
الضّمير للملائكة ،
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
يعني إبليس ، فيكون من خطاب الجمع ، ويراد به الواحد ، نحو
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ
الحجرات : 4 .
وروي أنّ إبليس مرّ على جسد آدم بين مكّة والطّائف ، قبل أن ينفخ فيه الرّوح ، فقال : لأمر مّا خلق