اعتبارا من قوله :
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
إلى قوله :
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
وأخيرا ذكرت بعض النّعم ، ثمّ انتهت بقوله :
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
88 ، 89
وقد تشابكت الأمور في هذه السّورة على المشركين بلومهم وذكر ما أنعم اللّه عليهم وسرد العبر لهم . كما تصدرّت السّورة وتخلّلتها آيات بشأن القرآن ( 1 - 4 ) و ( 31 ) و ( 43 ) و ( 44 ) :
حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . . .
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ . . . ،
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ . . .
ثانيا : وسياق آيات هذه السّورة الّذي يمتاز بالتّجانس الموضوعيّ المتمثّل بمكافحة الشّرك ومقارعة المشركين ، والتّجانس اللّفظيّ المتمثّل بوحدة الرّويّ - كما هو شأن السّور المكّيّة - يحملنا على القول بأنّ كلمة ( أم ) في صدر الآية هي متّصلة ، كما ذهب إليه بعض المفسّرين ، فتكون عطفا على آخر آية تنحي باللّائمة عليهم ، وهو قوله تعالى :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
الزّخرف : 22 ، ولا يمنع ذلك وقوع آيات متباينة الموضوع بينهما ، ومثله كثير في القرآن .
وهذا الّذي اخترناه أولى من قول القرطبيّ بأنّه عطف على قوله :
أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
الزّخرف : 45 ، أو تعقيب لقوله قبله :
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
الزّخرف :
78 ، أي ولقد جئناكم بالحقّ فلم تسمعوا ، أم سمعوا فأعرضوا ، لأنّهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب .
كما أنّه أولى من قول بعضهم : إنّ ( أم ) منقطعة بمعنى « بل » للإضراب عمّا قبلها من الخطاب الّذي وجّه إليهم ، والّذي كان من شأنه أن يحدث لهم ذكرا ، وأن ينقادوا للحقّ ويذعنوا له ، ولكنّهم أبرموا أمرا على الضّلال فلا ينتفعون به .
ثالثا : ورد سياق الآية على نمط الازدواج ، وهو بين ( ابرموا ) و ( مبرمون ) ، أي أحكموا أمرا في شأن الرّسول ، فإنّا محكمون بمجازاتهم . وهذا نظير قوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
النّمل : 50 ، وقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
الشّورى : 40 ، وقوله :
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ
الطّور : 42 ، وكلّ هذه الآيات مكّيّة أيضا .
رابعا : تعتبر هذه الآية آخر خطاب لهم في السّورة ، فلا مجال بعد ذلك لمحاجّتهم ، ويتلوها قوله في نهاية السّورة :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ .
الزّخرف : 89 .