يكون كلّ منهما واجبا بذاته ، ويكون مفهوم واجب الوجود منتزعا منهما ، مقولا عليهما قولا عرضيّا .
وقد رأيت في ملخّص الإمام عليه الرّحمة نحوها .
ولعلّك إذا أحطت خبرا بحقيقة ما ذكرنا يسهل عليك حلّها ، وإن أردت التّوضيح فاستمع لما قيل في ذلك :
إنّ مفهوم واجب الوجود لا يخلو إمّا أن يكون انتزاعه عن نفس ذات كلّ منهما من دون اعتبار حيثيّة خارجة أيّة حيثيّة كانت ، أو مع اعتبار تلك الحيثيّة ، وكلا الشّقّين محال ، أمّا الثّاني فلما تقرّر أنّ كلّ ما لم يكن ذاته مجرّد حيثيّة انتزاع الوجوب فهو ممكن في ذاته ، وأمّا الأوّل فلأنّ مصداق حمل مفهوم واحد ومطابق صدقه بالذّات مع قطع النّظر عن أيّة حيثيّة كانت لا يمكن أن يكون حقائق متخالفة متباينة بالذّات غير مشتركة في ذات أصلا . ولعلّ كلّ سليم الفطرة يحكم بأنّ الأمور المتخالفة من حيث كونها متخالفة بلا حيثيّة جامعة لا تكون مصداقا لحكم واحد ومحكيّا عنها به ، نعم يجوز ذلك إذا كانت تلك الأمور متماثلة من جهة كونها متماثلة ولو في أمر سلبيّ ، بل نقول :
لو نظرنا إلى نفس مفهوم الوجود المصدريّ المعلوم بوجه من الوجوه بديهة ، أدّانا النّظر والبحث إلى أنّ حقيقته وما ينتزع هو منه أمر قائم بذاته ، هو الواجب الحقّ الوجود المطلق الّذي لا يشوبه عموم ولا خصوص ولا تعدّد ؛ إذ كلّ ما وجوده هذا الوجود لا يمكن أن يكون بينه وبين شيء آخر له أيضا هذا الوجود فرضا مباينة أصلا ولا تغاير ، فلا يكون اثنان بل يكون هناك ذات واحدة ووجود واحد ، كما لوّح إليه صاحب « التّلويحات » ، بقوله : صرف الوجود الّذي لا أتمّ منه كلّما فرضته ثانيا ، فإذا نظرت فهو هو إذ لا ميز في صرف شيء ، فوجوب وجوده تعالى الّذي هو ذاته سبحانه تدلّ على وحدته جلّ وعلا . انتهى فتأمّل .
ولا يخفى عليك أنّ أكثر البراهين على هذا المطلب الجليل الشّأن يمكن تخريج الآية الكريمة عليه ، ويحمل حينئذ الفساد على عدم التّكوّن ، فعليك بالتّخريج وإن أحوجك إلى بعض تكلّف ، وإيّاك أن تقنع بجعلها حجّة إقناعيّة كما ذهب إليه كثير ، فإنّ هذا المطلب الجليل أجلّ من أن يكتفى فيه بالإقناعات المبنيّة على الشّهرة والعادة .
ولصاحب « الكشف » طاب ثراه كلام يلوح عليه مخايل التّحقيق في هذا المقام ، سنذكره إن شاء اللّه تعالى ، كما اختاره في تفسير قوله تعالى :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
المؤمنون : 91 .
ثمّ لا تتوهّمن أنّه لا يلزم من الآية نفي الاثنين والواحد ، لأنّ نفي آلهة تغاير الواحد المعيّن شخصا ، يستلزم بالضّرورة أنّ كلّ واحد واحد منهم يغايره شخصا ، وهو أبلغ من نفي واحد يغاير المعيّن في الشّخص ، على أنّه طوبق به قوله تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ
وقيام الملازمة كاف في نفي الواحد والاثنين أيضا .
واستشكل سياق الآية الكريمة بأنّ الظّاهر أنّها إنّما سيقت لإبطال عبادة الأصنام المشار إليه بقوله تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
الأنبياء : 21 ، لذكرها بعده ، وهي لا تبطل إلّا تعدّد الإله