تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 840

مساهمون:

ص٨٤٠
يكون حكمة فيريده الآخر بعينه ؟ والجواب أنّ كلامنا في صحّة التّمانع لا في وقوع التّمانع ، وصحّة التّمانع يكفي في الدّلالة ، لأنّه يدلّ على أنّه لا بدّ من أن يكون أحدهما متناهي المقدور ، فلا يجوز أن يكون إلها . ثمّ نزّه سبحانه نفسه عن أن يكون معه إله ، فقال
فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
الأنبياء : 22 . ( 4 : 43 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسألتان : المسألة الأولى : قال أهل النّحو : ( الّا ) هاهنا بمعنى « غير » أي لو كان يتولّاهما ويدبّر أمورهما شيء غير الواحد الّذي هو فاطرهما لفسدتا ولا يجوز أن يكون بمعنى الاستثناء لأنّا لو حملناه على الاستثناء لكان المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم اللّه لفسدتا . وهذا يوجب بطريق المفهوم أنّه لو كان فيهما آلهة معهم اللّه أن لا يحصل الفساد ، وذلك باطل لأنّه لو كان فيهما آلهة فسواء لم يكن اللّه معهم أو كان ، الفساد لازم . ولمّا بطل حمله على الاستثناء ، ثبت أنّ المراد ما ذكرناه . المسألة الثّانية : قال المتكلّمون : القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال ، فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالا . إنّما قلنا : إنّه يفضي إلى المحال ، لأنّا لو فرضنا وجود إلهين فلابدّ وأن يكون كلّ واحد منهما قادرا على كلّ المقدورات ، ولو كان كذلك لكان كلّ واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه ، فلو فرضنا أنّ أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه ، فإمّا أن يقع المرادان ، وهو محال لاستحالة الجمع بين الضّدّين ، أو لا يقع واحد منهما ، وهو محال ، لأنّ المانع من وجود مراد كلّ واحد منهما مراد الآخر ، فلا يمتنع مراد هذا إلّا عند وجود مراد ذلك وبالعكس . فلو امتنعا معا لوجدا معا ، وذلك محال ، أو يقع مراد أحدهما دون الثّاني ، وذلك محال أيضا لوجهين : أحدهما : أنّه لو كان كلّ منهما قادرا على ما لا نهاية له ، امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لا بدّ وأن يستويا في القدرة ، وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثّاني ، وإلّا لزم ترجيح الممكن من غير مرجّح . وثانيهما : أنّه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر ، فالّذي وقع مراده يكون قادرا ، والّذي لم يقع مراده يكون عاجزا ، والعجز نقص وهو على اللّه محال . فإن قيل : الفساد إنّما يلزم عند اختلافهما في الإرادة وأنتم لا تدّعون وجوب اختلافهما في الإرادة ، بل أقصى ما تدّعونه أنّ اختلافهما في الإرادة ممكن ، فإذا كان الفساد مبنيّا على الاختلاف في الإرادة وهذا الاختلاف ممكن والمبنيّ على الممكن ممكن ، فكان الفساد ممكنا لا واقعا ، فكيف جزم اللّه تعالى بوقوع الفساد ؟ قلنا : الجواب من وجهين : أحدهما : لعلّه سبحانه أجرى الممكن مجرى الواقع بناء على الظّاهر ، من حيث إنّ الرّعيّة تفسد بتدبير الملكين ، لما يحدث بينهما من التّغالب . والثّاني - وهو الأقوى - : أن نبيّن لزوم الفساد لا من الوجه الّذي ذكرناه بل من وجه آخر فنقول : لو فرضنا إلهين لكان كلّ واحد منهما قادرا على جميع المقدورات ، فيفضي إلى وقوع مقدور من قادرين
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 840 | مجمع البحوث الاسلامية