تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 831

مساهمون:

ص٨٣١
استحالة حلول اللّه تعالى في الأماكن ، ومماسّة الأجرام ومحاذاته لها ، وتحيّزه في جهة ، قال معناه وبعض لفظه ابن عطيّة . وفي قوله :
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
إلى آخره خبر في ضمنه تحذير وزجر . ( 4 : 71 ) أبو السّعود : ( وهو اللّه ) جملة من مبتدإ وخبر معطوفة على ما قبلها ، مسوقة لبيان شمول أحكام إلهيّته تعالى لجميع المخلوقات ، وإحاطة علمه بتفاصيل أحوال العباد وأعمالهم المؤدّية إلى الجزاء إثر الإشارة إلى تحقّق المعاد ، في تضاعيف بيان كيفيّة خلقهم وتقدير آجالهم . وقوله تعالى : ( في السّموات . . ) متعلّق بالمعنى الوصفيّ الّذي ينبئ عنه الاسم الجليل ، إمّا باعتبار أصل اشتقاقه كونه علما للمعبود بالحقّ ، كأنّه قيل : وهو المعبود فيهما ، وإمّا باعتبار أنّه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذّات من صفات الكمال فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكيّة الكلّيّة والتّصرّف الكامل ، حسبما تقتضيه المشيئة المبنيّة على الحكم البالغة ، فعلّق به الظّرف من تلك الحيثيّة ، فصار كأنّه قيل : وهو المالك أو المتصرّف المدبّر فيهما ، كما في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ .
وليس المراد بما ذكر من الاعتبارين أنّ الاسم الجليل يحمل على معناه اللّغويّ أو على معنى المالك أو المتصرّف أو نحو ذلك ، بل مجرّد ملاحظة أحد المعاني المذكورة في ضمنه ، كما لوحظ مع اسم « الأسد » في قوله : أسد عليّ . . . إلخ ما اشتهر به من وصف الجراءة الّتي اشتهر بها مسمّاه ، فجرى مجرى : جريء عليّ . وبهذا تبيّن أنّ ما قيل بصدد التّصوير والتّفسير - أي هو المعروف بذلك في السّماوات وفي الأرض ، أو هو المعروف المشتهر بالصّفات الكماليّة ، أو هو المعروف بالإلهيّة فيهما ، أو نحو ذلك - بمعزل من التّحقيق ، فإنّ المعتبر مع الاسم هو نفس الوصف الّذي اشتهر به ، إذ هو الّذي يقتضيه المقام - حسبما بيّن آنفا - لاشتهاره به ، ألا ترى أنّ كلمة « عليّ » في المثال المذكور لا يمكن تعليقها باشتهار الاسم بالجراءة قطعا . وقيل : هو متعلّق بما يفيده التّركيب الحصريّ من التّوحّد والتّفرّد ، كأنّه قيل : وهو المتوحّد بالإلهيّة فيهما . وقيل : بما تقرّر عن الكلّ من إطلاق هذا الاسم عليه خاصّة ، كأنّه قيل : وهو الّذي يقال له : اللّه فيهما لا يشرك به شيء في هذا الاسم ، على الوجه الّذي سبق من اعتبار معنى التّوحّد ، أو القول في فحوى الكلام بطريق الاستتباع ، لا على حمل الاسم الجليل على معنى المتوحّد بالإلهيّة ، أو على تقدير القول . وقد جوّز أن يكون الظّرف خبرا ثانيا ، على أنّ كونه سبحانه فيهما عبارة عن كونه تعالى مبالغا في العلم بما فيهما ، بناء على تنزيل علمه المقدّس عن حصول الصّور والأشباه ، لكونه حضوريّا منزلة كونه تعالى فيهما ، وتصويره به على طريقة التّمثيل المبنيّ على تشبيه حالة علمه تعالى بما فيهما بحالة كونه تعالى فيهما . فإنّ العالم إذا كان في مكان كان عالما به وبما فيه ، على وجه لا يخفى عليه منه شيء ؛ فعلى هذا يكون قوله عزّ وجلّ
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
بيانا وتقديرا لمضمونه ، وتحقيقا للمعنى المراد منه . وتعليق علمه عزّ وجلّ بما ذكر خاصّة ، مع شموله