تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 826

مساهمون:

ص٨٢٦
والجواب عن ذلك : أنّ ظاهره يقتضي أنّه في الوقت الواحد في السّماوات والأرض ، وهذا يستحيل على الأجسام المحتاجة إلى مكان ، لأنّ ثبوتها في مكان يمنع من كونها في غيره ، ولو أراد تعالى أن يدلّ على أنّه ليس بجسم لم يكن ليزيد على هذه الصّفة ، لأنّ وصفه نفسه بأنّه في السّماوات والأرض يقتضي أنّه لم يجعلهما مكانا له ، لاستحالة ذلك عليه فيما يجوز عليه المكان ، فيجب أن يحمل الأمر على أنّه جعلهما ظرفا لتدبيره واقتداره وتصريفه لهما على إرادته ، أو يحمل الأمر على أنّه محيط بهما علما ، ولذلك قال تعالى :
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
فنبّه بذلك على أنّه فيهما ، بمعنى أنّه لا يخفى عليه أحوالهما كما لا يخفى على الحاضر حال من يشاهده ؛ وعلى هذا الوجه يجري القول في أوصاف اللّه تعالى بأنّه بكلّ مكان . واستجاز المسلمون إطلاقه ، لأنّهم عنوا به في الصّنع والتّدبير أو في الإحاطة به علما . ويبيّن ما قلناه أنّ قوله تعالى :
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
لا يليق إلّا بما ذكرناه ، لأنّه إذا كان في كلّ مكان لم يجب أن يكون عالما بسرّنا وجهرنا ، لأنّ الحاضر معنا لا يجب أن يكون مطّلعا على أسرارنا ، فكيف من هو في غير المكان الّذي نحن فيه ؟ ومتى ذكر تعالى المكان ثمّ عقّبه بذكر العلم وغيره ، فيجب صرف الكلام إلى ذلك الوجه ولهذا قلنا : إنّ قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
المراد به الاقتدار منه على المكانين ، والتّنبيه بذكرهما على أنّه مقتدر على كلّ شيء ، وكذلك لمّا عقّب الكلام بذكر العلم ، دلّ على أنّ المراد بما تقدّم ذكره أنّه محيط بما فيهما علما . ( متشابه القرآن 1 : 236 ) الطّوسيّ : قوله :
وَهُوَ اللَّهُ . . .
يحتمل معنيين : أحدهما : قال الزّجّاج ، والبلخيّ ، وغيرهما . [ وهو ما نقلناه عن الزّجّاج ] والوجه الثّاني : قال أبو عليّ : إنّ قوله :
وَهُوَ اللَّهُ
قد تمّ الكلام ، وقوله :
فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
يكون متعلّقا بقوله :
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
لأنّ الخلق إمّا أن يكونوا ملائكة فهم في السّماء ، أو البشر والجنّ فهم في الأرض ، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه خافية . ويقوّيه قوله :
وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ،
أي يعلم جميع ما تعملونه من الخير والشّرّ ؛ فيجازيكم على حسب أعمالكم ، ولا يخفى عليه شيء منها ، وفي ذلك غاية الزّجر والتّهديد . وفي الآية دلالة على فساد قول من قال : إنّه تعالى في مكان ، تعالى اللّه عن ذلك . ( 4 : 82 ) نحوه الطّبرسيّ ( 2 : 273 ) ، وأبو الفتوح ( 2 : 254 ) . البغويّ : يعني وهو إله السّماوات وإله الأرض ، كقوله :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
( 2 : 97 ) مثله الخازن . ( 2 : 97 ) الميبديّ : اعلم أنّ ( في ) هنا بمعنى « على » حين الوقف على ( السّموات ) ، فمعنى الآية إنّ اللّه فوق السّماوات . ثمّ قال :
وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
هنا تقديم وتأخير ، أي ويعلم سرّكم وجهركم في الأرض . قال أبو بكر النّقّاش - صاحب شفاء الصّدور في تفسيره - : ويقرأ قوله : ( هو اللّه في السّماء ) ويوقف
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 826 | مجمع البحوث الاسلامية