الآلوسيّ : جمع سبحانه ( السّماوات ) وأفرد ( الأرض ) مع أنّها على ما تقتضيه النّصوص المتعدّدة متعدّدة أيضا ، والمؤاخاة بين الألفاظ من محسّنات الكلام ، فإذا جمع أحد المتقابلين أو نحوهما ينبغي أن يجمع الآخر عندهم ؛ ولذا عيب على أبي نؤاس قوله :
ومالك فاعلمن فينا مقالا * إذا استكملت آجالا ورزقا
حيث جمع وأفرد ؛ إذ جمع لنكتة سوّغت العدول عن ذلك الأصل ، وهي الإشارة إلى تفاوتهما في الشّرف ، فجمع الأشرف اعتناء بسائر أفراده ، وأفرد غير الأشرف .
وأشرفيّة السّماء ، لأنّها محلّ الملائكة المقدّسين على تفاوت مراتبهم ، وقبلة الدّعاء ومعراج الأرواح الطّاهرة ، ولعظمها وإحاطتها بالأرض على القول بكريّتها الذّاهب إلى بعض منّا وعظم آيات اللّه فيها ، ولأنّها لم يعص اللّه تعالى فيها أصلا ، وفيها الجنّة الّتي هي مقرّ الأحباب ، ولغير ذلك .
والأرض وإن كانت دار تكليف ومحلّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ، فليس ذلك إلّا للتّبليغ وكسب ما يجعلهم متأهّلين للإقامة في حضيرة القدس ، لأنّها ليست بدار قرار ، وخلق أبدان الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام منها ودفنهم فيها - مع كون أرواحهم الّتي هي منشأ الشّرف ليست منها ولا تدفن فيها - لا يدلّ على أكثر من شرفها ، وأمّا أنّه يدلّ على أشرفيّتها فلا يكاد يسلم لأحد ، وكذا كون اللّه تعالى وصف بقاعا منها بالبركة لا يدلّ على أكثر ممّا ذكرنا ، ولهذا الشّرف أيضا قدّمت على الأرض في الذّكر .
وقيل : إنّ جمع ( السّماوات ) وإفراد ( الأرض ) ، لأنّ السّماء جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل ، فلو كانت السّماء واحدة لتشابه الأثر وهو يخلّ بمصالح هذا العالم ، وأمّا الأرض فهي قابلة والقابل الواحد كاف في القبول .
وحاصله أنّ اختلاف الآثار دلّ على تعدّد السّماء دلالة عقليّة ، والأرض وإن كانت متعدّدة لكن لا دليل عليه من جهة العقل ، فلذلك جمعها دون الأرض .
واعترض بأنّه على ما فيه ربّما يقتضي العكس .
وقال بعضهم : إنّه لا تعدّد حقيقيّا في الأرض ، ولهذا لم تجمع . [ إلى أن قال : ]
وقوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
الطّلاق : 12 ، محمول على المماثلة في السّبعة الموجودة في الأقاليم لا على التّعدّد الحقيقيّ .
ولا يخفى أنّ هذا من التّكلّف الّذي لم يدع إليه سوى اتّهام قدرة اللّه تعالى وعجزه سبحانه عن أن يخلق سبع أرضين ، طبق ما نطق به ظاهر النّصّ الوارد عن حضرة أفصح من نطق بالضّاد ، وأزال بزلال كلامه الكريم أوام كلّ صاد ، وحمل المماثلة في الآية أيضا على المماثلة الّتي زعمها صاحب القيل خلاف الظّاهر . ( 7 : 81 )
رشيد رضا : السّماوات والأرض يطلقان في مثل هذا المقام على كلّ موجود مخلوق ، أو ما يعبّر عنه بعض النّاس بالعالم العلويّ والعالم السّفليّ ، وإن كان العلوّ والسّفل فيهما من الأمور الإضافيّة . ( 8 : 445 )