الثّابت والسّبب بين الاثنين وفي اللّمعان والحربة وما يشابهها . ثمّ أردف كلامه بقوله : وأمّا البكاء والأنين ورفع الصّوت ، فهي باعتبار ظهور العلاقة وتجلّي الرّبط الثّابت .
وهذا ترجمة لرأي الرّاغب القائل : « الإلّ » : كلّ حالة ظاهرة من عهد حلف وقرابة ، تئلّ : تلمع ، وألّ الفرس ، أي أسرع ولمع ، وذلك استعارة في باب الإسراع .
ولكنّه لم يتناول المعنى الآخر أي التّحديد .
3 - وهذه كلّها جهود في إرجاع المعاني إلى معنى عامّ مشترك في الجميع ، وليست هذه طريقة لتوسيع اللّغة بل المعتاد فيها استعمال اللّفظ لأحد المعاني المحسوسة ، ثمّ يتّسع في أشباهها كما قلنا في الأذن وغيرها .
والأقرب إلى الصّواب أنّ ما كان بمعنى الألوهيّة فهو ليس بعربيّ بل مأخوذ عن العبريّة والسّريانيّة ، ولعلّ منه « الإلّ » بمعنى الوحي والقسم والعهد ؛ لأنّها جميعا ترجع إلى اللّه . وأمّا غيرها من المعاني فالأصل فيها هو الحربة ، ثمّ اشتقّ منها فعل بمعناها ؛ يقال : ألّه ، إذا طعنه بالحربة ، وباعتبار ما يستلزمها ، وهو اللّمعان والاضطراب ؛ يقال : ألّ الشّيء ألّا ، إذا لمع وبرق ، وألّ الفرس ، إذا اضطرب في مشيه ، وألّت فرائصه ، إذا لمعت في عدوه . وأمّا صوت الماء فباعتبار جريانه وتحرّكه واضطرابه ، وكذلك الأنين والبكاء . ثمّ استعمل في ما تغيّر واضطرب مثل : ألل السّقاء ، بالكسر : تغيّرت ريحه ، وأللت أسنانه : فسدت ، وألّ الثّوب : غيّره بالخياطة وقصّه بالمقراض . وهكذا الأليل : البريق ، وأذن مؤلّلة ، أي مشبهة للحربة .
والحاصل أنّ كلّ ما له حرمة وتعظيم يرجع إلى « الإلّ » الّذي هو اسم اللّه في العبريّة والسّريانيّة ، وما يرجع إلى اللّمعان والاضطراب والفساد ونحوها فهو مأخوذ عن « الألّة » ، وهي الحربة .
الاستعمال القرآنيّ
جاءت لفظة « إلّ » في آيتين مقترنة ب « ذمّة » :
1 -
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ . . .
* كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
التّوبة : 7 ، 8
2 -
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
التّوبة : 10
يلاحظ أوّلا : اجتماع أربعة ألفاظ ما اجتمعت في موضع من القرآن إلّا في هاتين الآيتين ، وهي ( يرقبوا ) و ( يرقبون ) و ( الّا ) و ( ذمّة ) . ونفي الفعلان ب ( لا ) ونصب ( الّا ) و ( ذمّة ) بهما على المفعوليّة ، والفعل الأوّل مجزوم بحذف النّون ؛ لأنّه جواب الشّرط . والفاعل لكلا الفعلين هو واو الجمع الّذي يعود على لفظ المشركين .
هذا مع ملاحظة عدم مجيء شيء من هذه الألفاظ الأربعة في موضع آخر من القرآن ، سوى ألفاظ من مادّتي « ر ق ب » و « ذ م م » في سياق آخر ، وبذلك يكون :
[ لا يرقبوا لا يرقبون - إلّا - ولا ذمّة ]
ألفاظ وتراكيب من خصائص سورة التّوبة ، انفردت بها هذه السّورة الّتي هي منفردة عن سائر سور القرآن بأشياء ، أبرزها خلوّها عن البسملة .