وثانيا : نستبعد تماما ما ذهب إليه بعضهم من أنّ المقصود ب ( الّا ) هاهنا اللّه جلّ جلاله ، لأنّ الذّمّة معطوفة عليه ، فالأحرى أن يكون بينهما تجانس ، ولا تجانس إلّا بوجه مجازيّ من حيث كان عهد اللّه أو ميثاقه ، فحذف المضاف ، وبقي المضاف إليه مقامه ، لكنّه وجه بعيد من غير ضرورة .
وبهذا يختلف « الإلّ » هنا عن « إلّا » في اللّغات السّاميّة ، كما اختلف عن أداة التّعريف « أل » ، وإنّما ذلك تطوّر عمّا ذكر من المعاني .
وثالثا : تقدّم في النّصوص أنّ ( الّا ) تعني القرابة ، و ( ذمّة ) تعني العهد ، أو العكس ، أو كلاهما بهذين المعنيين .
فإن كانا بمعنيين مختلفين فالعطف يدلّ على تعدّد الأوصاف ، وإن كانا بمعنى واحد فالعطف للتّأكيد . إلّا أنّنا نرجّح الرّأي الأوّل ، ونرى اختلاف الألفاظ في اللّغة الواحدة يوجب اختلاف المعاني ؛ فلا يقال - مثلا - لشخص اسمه زيد وكنيته أبو عبد اللّه : جاء زيد وأبو عبد اللّه ؛ لأنّ الشّيء لا يعطف على نفسه إذا كان الثّاني بمعنى الأوّل ، فلفظ أبي عبد اللّه لم يفد معنى ، فهو لغو ، وهذا بعيد في كتاب اللّه .
ونظيره قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
المائدة : 48 .
ورابعا : مع صرف النّظر عمّا جاء في النّصوص التّفسيريّة في الفرق بين ( الّا ) و ( ذمّة ) ، مع أخذنا إيّاها بنظر الاعتبار ، خاصّة ما ذكره رشيد رضا والطّباطبائيّ وبنت الشّاطئ ، فلنا رؤية خاصّة تنفي كون ( الّا ) بمعنى القرابة ، نظرا إلى أنّ الآيات المتقدّمة على هاتين الآيتين في سورة البراءة ، وكذلك المتأخّرة عنهما ، تعرّضت العهد مرّات ، وليس فيها أثر للقرابة ، فالأحرى بالسّياق أن يدخل كلّ من الإلّ والذّمّة تحت معنى العهد بتفاوت بينهما بالإطلاق والتّقييد ، أو بما قاله الطّوسيّ : الإلّ : العهد ، والذّمّة : عقد الجوار ، وهما متقاربان ، وفرّق بينهما بأنّ الذّمّة عقد قوم يذمّ نقضه ، والإلّ - الّذي هو العهد - عقد يدعو إلى الوفاء ، إذا ضلّ كلّ واحد منهما يقتضي هذا .
وخامسا : لقد ذكروا لتكرار
لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
التّوبة : 8 ، وجوها ، أقربها الإطلاق والتّقييد ، فالأوّل مطلق والثّاني مقيّد ، فلاحظ .