الطّبرسيّ : قيل : معناه فعلنا ذلك لتألف قريش بمكّة ويمكنهم المقام بها ، أو لتؤلف قريشا فإنّهم هابوا من أبرهة لمّا قصدها وهربوا منه فأهلكناهم ، لترجع قريش إلى مكّة ويألفوا بها ويولد محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، فيبعث إلى النّاس بشيرا ونذيرا . وقوله : ( ايلافهم ) ترجمة عن الأوّل ، وبدل منهم :
رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
منصوبة بوقوع إيلافهم عليها .
وتحقيقه أنّ قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليهم فيه ، وأن يعرض لهم أحد بالسّوء إذا خرجت منها لتجارتها ، والحرم واد جديب إنّما كانت تعيش قريش فيه بالتّجارة ، وكانت لهم رحلتان في كلّ سنة : رحلة في الشّتاء إلى اليمن لأنّها بلاد حامية ، ورحلة في الصّيف إلى الشّام ، لأنّها بلاد باردة . ولولا هاتان الرّحلتان لم يمكنهم به مقام ، ولولا الأمن لم يقدروا على التّصرّف . فلمّا قصد أصحاب الفيل مكّة أهلكهم اللّه ؛ لتألف قريش هاتين الرّحلتين اللّتين بهما معيشتهم ومقامهم بمكّة .
وقيل : إنّ كلتا الرّحلتين كانت إلى الشّام ولكن رحلة الشّتاء في البحر وأيلة طلبا للدّفء ورحلة الصّيف إلى البصري وأذرعات طلبا للهواء . ( 5 : 545 )
الفخر الرّازيّ : [ له بحث مستوفى لخّصه النّيسابوريّ ( 30 : 185 ) فراجع . ] ( 31 : 103 )
الرّازيّ : فإن قيل : بأيّ شيء تتعلّق « اللّام » في قوله تعالى :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
؟
قلنا : قيل : إنّها متعلّقة بآخر السّورة الّتي قبلها ، أي فجعلهم كعصف مأكول لايلاف قريش ، ويؤيّد هذا أنّهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل . والمعنى أنّه أهلك أصحاب الفيل الّذين قصدوهم ليتسامع النّاس بذلك فيها بوهم ويحترموهم ، فينتظم لهم الأمر في رحلتهم ولا يجترئ أحد عليهم .
وقيل : معناه أهلكهم ليألف قريش رحلة الشّتاء والصّيف ، بهلاك من كان يخيفهم ويمنعهم .
وقيل : إنّها متعلّقة بما بعدها ، وهو قوله تعالى :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
قريش : 3 ، لإيلافهم رحلة الشّتاء والصّيف . معناه أنّ نعم اللّه تعالى لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه النّعمة الظّاهرة .
وقيل : هي لام التّعجّب ، معناه اعجبوا : لإيلاف قريش . وكانت لقريش في كلّ سنة رحلتان للتّجارة الّتي بها معاشهم : رحلة في الشّتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصّيف إلى الشّام .
ثمّ قيل : « الإيلاف » هنا مصدر ، بمعنى الإلف ، تقول :
آلفته إيلافا بالمدّ ، كما تقول : ألفته إلفا بالقصر ، كلاهما متعدّ إلى مفعول واحد ؛ فيكون ( لإيلاف قريش ) لإلف قريش ، أي لحبّهم الرّحلتين .
وقيل : آلف بالمدّ ، متعدّ إلى مفعولين ، يقال : ألف زيد المكان ، وآلف زيد عمرا المكان ، فيكون معنى الآية :
لإيلاف اللّه تعالى قريشا الرّحلتين ، فعلى هذا الوجه يكون المصدر مضافا إلى المفعول ، وعلى الوجه الأوّل يكون مضافا إلى الفاعل .
وأمّا تكرار إضافة المصدر في قوله تعالى :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ ،
فقيل : إنّ الثّاني بدل من الأوّل .
وقيل : إنّه للتّأكيد ، كما تقول : أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن ذلّ السّؤال . ( 383 )