السّياقين :
أ - قد استعمل الفعل فيهما متعدّيا على خلاف طفيف في التّركيب ، له دلالة معنويّة خاصّة :
ففي آية الطّور :
( وما ) ، ( الت ) ، ( نا ) ، ( هم ) ، ( من ) ، ( عملهم ) ، ( من شئ ) .
وفي آية الحجرات :
( لا ) ، ( يلت ) ، ( كم ) ، ( من ) ، ( اعمالكم ) ، ( شيئا )
فقد وقع المفعول الأوّل ضمير جمع في الموضعين ، وهو ضمير متّصل بالفعل ، ثمّ دخلت ( من ) التّجزيئيّة التّبعيضيّة على المفعولين الآخرين ، في الأولى إشارة إلى أنّهم سينالون جزاء عملهم كاملا غير منقوص ، كلّ عملهم بلا أدنى نقص . كما دخلت ( من ) على ( اعمالكم ) في الثّانية ، لتثبت أنّ كلّ العمل سيثابون عليه ، ولم تدخل على ( شئ ) في الموضع الثّاني ، لتفسح المجال له ، ليكون مفعولا صريحا لا يحتاج إلى حرف جرّ .
ولعلّ هذا الفارق جاء من ناحية أنّ إلحاق الذّرّيّة بهم في الأولى :
أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ،
قد يوهم نقص الجزاء ، فجاء ( من ) لإزالة هذا الوهم . أمّا في الثّانية :
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً ،
فلا إلحاق فيها ، فانتفت - بالتّالي - ضرورة دخول ( من ) على ( شيئا ) .
وممّا يقوّي هذه الرّؤية خاتمة كلّ من الآيتين ، ففي الأولى
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ،
لإثبات أنّ إلحاق الذّرّيّة بهم لن يسقط شيئا من جزائهم . وفي الثّانية
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ *
حيث لا إلحاق ، فلا وجود لتوهّم النّقص بهم ، فاكتفى بدلا عن
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
بقوله :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . *
ب - وهناك فرق آخر بين الآيتين ، وهو أنّ ( من عملهم ) في الأولى مفرد ، وفي الثّانية ( من اعمالهم ) جمع ، فكأنّ مجيء ( من ) في الأولى عوض من صيغة الجمع في الثّانية ، تصريحا باستيعاب هذا الوعد الإلهيّ لكلّ أعمالهم .
ج - والفرق الثّالث ، هو مجيء الفعل في الأولى ماضيا والفاعل جمعا ( التناهم ) ، وفي الثّانية مضارعا والفاعل مفردا ( لا يلتكم ) . ومعلوم أنّ في الأولى تأكيدا أبلغ ؛ حيث فرض الجزاء المستقبل محقّق الوقوع في الماضي ، مع تفخيم الكلام فيها بتعظيم الفاعل ( نا ) . بخلاف الثّانية .
وهذا السّياق أنسب بقوله : ( من شئ ) في الأولى و ( شيئا ) في الثّانية .
وهذا الفرق بين السّياقين تأكيدا ويسرا - كما أشرنا إليه - لوحظ في ذيل الآيتين ؛ حيث جاء في الأولى وعد مؤكّد قاطع
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ،
وفي الثّانية وعد رجاء
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . *
د - على أنّ في الآيتين مناسبة أخرى بين الذّيل والصّدر ؛ حيث لم يذكر في الأولى سبق الكفر على الإيمان صريحا ، بل إيمان صريح صادق يستتبع إيمان ذرّيّتهم
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ ،
فذيّله بوعد صريح مؤكّد
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
بينما سبق التّصريح بعدم الإيمان في الثّانية ، حتّى بعد أن أسلموا
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ،
فذيّله بوعد الغفران والرّحمة بشرط