لأنّ التّظاهر من جملة معانيها الشّائعة ، كما في تمارض الرّجل ، إذا تظاهر بالمرض ولم يكن مريضا . والتّظاهر لا يمكن تصوّره في الأكل ، لأنّ الأكل لا يتحقّق - كما قلنا - إلّا بعامليه : المضغ والبلع ، فلا يصحّ أن يقال : تآكل الرّجل .
وقد استعمل بعض الأدباء المعاصرين « التّآكل » خطأ بمعنى الأكل والتّأكّل والائتكال ، فخطّأهم صاحب « معجم الأغلاط اللّغويّة » . ولكنّه أخطأ هو أيضا حين استعمل نفس الصّيغة بمعنى المشاركة ؛ قال : تآكل الرّجلان : تشاركا في الأكل .
3 - والصّواب أن يقال : آكل الرّجل فلانا مؤاكلة ، أي شاركه في الأكل . ولهذه المادّة معان مجازيّة كثيرة ، كقولهم : أكلت النّار الحطب ، وجرحه بآكلة اللّحم ، وهي السّكّين ، وفلان يأكل النّاس : يغتابهم ، وفلان يأكل أموال النّاس أو أموال اليتامى ، أي يأخذها ويتصرّف فيها غصبا ، وهكذا .
4 - ومن مشتقّاتها المجازيّة أيضا قولهم : ائتكل الرّجل وائتكلت نفسه ، إذا غضب . وفي ذلك إشارة من بعيد إلى تلف الأعصاب وبعض أجهزة البدن .
وكثيرا ما يستعمل الفعل « استأكل » مجازا ، كأن يستأكل الرّجل بكتاب اللّه ، أي يحصل من خلاله على الأموال .
ويستعمل الفعل « أكّل » مجازا أيضا في بابين :
الأوّل : التّحميل والادّعاء .
والثّاني : الإطعام والتّصرّف بمال الغير بإعطائه إلى الآخرين .
ويستعمل الفعل « تأكّل » بمعنى مادّيّ كتأكّل السّكّين والسّيف ، كأنّه أصبح مستعدّا للأكل ، فيكون الشّيء آكلا مادّيّا . وبمعنى معنويّ في حالة أن يأخذ المرتشي مبلغا لقاء سكوته عن أمر ، والكلّ مجاز .
أمّا الفعل « آكل » - من باب الإفعال - ففيه على ما يبدو ثلاثة معان ، بعضها حقيقة وبعضها مجاز :
الأوّل : أطعم ، فيكون « الإفعال » للتّعدية .
الثّاني : ادّعى أنّ فلانا أكل .
الثّالث : أفسد - وهو مجاز - من الإيكال ، وهو السّعي بالنّميمة وخلق الفتنة الّتي تجعل المجتمع يتآكل ، إمّا بظاهرة الضّعف أو بظاهرة القتل .
وأمّا « آكل » بمعنى المشاركة في الأكل ، فهو من باب المفاعلة كما سبق .
وقد يأتي الفعل على وزان : واكل يواكل مواكلة ، مثل : واسى يواسي مواساة ، وذلك على البدل . ولعلّ « وكّل » جاء من إبدال الهمزة بالواو . واشترك المعنى في « أكّل ووكّل » بالسّماح للشّخص الآخر بالتّصرّف في شيء مّا ، ومنه الوكالة .
5 - ومن الأسماء جاء مجازا أيضا مثل : فلان ذو أكلة للغدر والغيب ، والمأكل أي المكسب ، والآكلة للمرض والسّكّين ، والأكيل مثل الشّريك الّذي يؤاكلك ويصاحبك إذا عني به الإنسان . وأمّا إذا عني به الحيوان فبمعنى المأكول ، مثل : أكيل الذّئب . والأكل والأكل :
الطّعام ، وقد يراد به القوّة والرّزق مجازا ، فذو أكل :
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 585
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٥٨٥