تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
الحيوان فأكل مأكله . فلا يزال كذلك حتّى يرجع إلى إنسانيّته الأولى بالإمساك عن أكل لحوم الحيوان ولحم أخيه الإنسان ، فلا يأكل بعضهم بعضا . ثانيا : أنّ الآية ( 8 ) وآيات أخرى تبيّن لنا أنّ الأكل حتّى من النّبات كان أوّل خطيئة للإنسان ؛ حيث بدت به سوءاتهما ، فأهبطا إلى الأرض ، وبه انحطّا إلى رتبة الحيوان . ثالثا : أنّ الآيتين ( 6 و 7 ) تدلّان على أنّ الأكل من نبات الجنّة كان مبذولا للإنسان بقوله :
وَكُلا مِنْها رَغَداً
و
فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما .
ولم يكن فيه محذور إلّا الشّجرة المنهيّ عنها ، ومع ذلك لم يتمالك الإنسان نفسه ، فأكل منها . رابعا : وهنا يثار سؤال : لماذا جعل اللّه تعالى شهوة الأكل أوّل اختبار للإنسان ؟ فهل في ذلك دلالة على كونها أقوى غرائزه الّتي غلبت عليه ، أو أنّه أيسر ابتلاء للإنسان ففشل فيه ولم ينجح ؟ فكيف إذا ابتلي بما هو أشهى وأقوى للتّغلّب على الإنسان من الشّهوات ؟ خامسا : قد سلك موسى عليه السّلام نفس الطّريق بأمر من اللّه ؛ حيث أمر قومه بالأكل لدى دخول القرية رغدا حيث شاءوا ؛ إشعارا بأنّ القرية لهم مثل الجنّة في خفض العيش . ولكن لم يبتلهم بالطّعام بل بالكلام ، وهو أيسر تحمّلا وأخفّ تأثيرا من وطأة الطّعام ، ومع ذلك فشلوا وفرّطوا فيه :
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ .
البقرة : 58 ، 59 كما أنّ اللّه ابتلاهم على لسان طالوت بالشّرب فعصوا إلّا قليلا منهم :
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
البقرة : 249 . سادسا : ومن آيات عيسى عليه السّلام أنّه يخبرهم بما يأكلون ؛ لأنّه أقرب ما لديهم وأشهى عندهم من غيره :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
آل عمران : 49 5 - ولعلّ ممّا يعضد قولنا أيضا : إنّ الأكل في الأصل من فعل الحيوان ، هو أنّ القرآن يجعل الإنسان مأكولا للحيوان في آيات كاقتصاص للحيوان من الإنسان : 1 -
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
يوسف : 14 2 -
وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
يوسف : 17 3 -
وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ
يوسف : 13 4 -
إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ
يوسف : 36 5 -
وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ
يوسف : 41 يلاحظ أوّلا : أنّه في الثّلاث الأولى أضاف الأكل إلى الذّئب كجناية ارتكبها في حقّ يوسف البريء من كلّ
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 588 | مجمع البحوث الاسلامية