( 6 : 315 )
الطّوسيّ : فيه احتجاج على النّصارى ، لأنّ من ولدته النّساء ، وكان يأكل الطّعام لا يكون إلها للعباد ، لأنّ سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصّانع المدبّر ، لأنّ من فيه علامة الحدث ، لا يكون قديما ، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء .
وقيل : إنّ ذلك كناية عن قضاء الحاجة لأنّ من أكل الطّعام لا بدّ أن يحدث حدثا مخصوصا على مجرى العادة . ( 3 : 605 )
نحوه البغويّ ( 2 : 64 ) ، والطّبرسيّ ( 2 : 230 ) .
الميبديّ : أي كانا يعيشان بالطّعام والغذاء كسائر الآدميّين ، وكيف يكون إلها من لا يقيمه إلّا أكل الطّعام ؟
وقيل : كانا يأكلان الطّعام . كنّي عن الذّرق بالذّوق ، يأكلان إشارة إلى ما يرميان به . وهذه كناية عن قضاء الحاجة ، وهو من أحسن الكنايات وأدقّها ، لأنّ من أكل الطّعام كان منه الحدث والبول ، فكنّي عن ذلك بألطف كناية بالاختصار والنّهاية . ( 3 : 195 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ المقصود من ذلك :
الاستدلال على فساد قول النّصارى ، وبيانه من وجوه :
الأوّل : أنّ كلّ من كان له أمّ فقد حدث بعد أن لم يكن ، وكلّ من كان كذلك كان مخلوقا لا إلها .
والثّاني : أنّهما كانا محتاجين ، لأنّهما كانا محتاجين إلى الطّعام أشدّ الحاجة . والإله هو الّذي يكون غنيّا عن جميع الأشياء ، فكيف يعقل أن يكون إلها ؟
الثّالث : قال بعضهم : إنّ قوله :
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
كناية عن الحدث ، لأنّ من أكل الطّعام فإنّه لا بدّ وأن يحدث ، وهذا عندي ضعيف من وجوه :
الأوّل : أنّه ليس كلّ من أكل أحدث ، فإنّ أهل الجنّة يأكلون ولا يحدثون .
الثّاني : أنّ الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطّعام ، وهذه الحاجة من أقوى الدّلائل على أنّه ليس بإله ، فأيّ حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر .
الثّالث : أنّ الإله هو القادر على الخلق والإيجاد ، فلو كان إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطّعام والشّراب ، فلمّا لم يقدر على دفع الضّرر عن نفسه ، كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين ؟
وبالجملة ففساد قول النّصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل . ( 12 : 61 )
نحوه أبو حيّان . ( 3 : 537 )
الآلوسيّ : استئناف لا موضع له من الإعراب مبيّن ، لما أشير إليه من كونهما كسائر أفراد البشر ، بل أفراد الحيوان في الاحتياج إلى ما يقوم به البدن من الغذاء ، فالمراد من أكل الطّعام حقيقته .
وقيل : هو كناية عن قضاء الحاجة ، لأنّ من أكل الطّعام احتاج إلى النّفض ، وهذا أمرّ ذوقا في أفواه مدّعي ألوهيّتهما ، لما في ذلك مع الدّلالة على الاحتياج المنافي للالوهيّة بشاعة عرفيّة ، وليس المقصود سوى الرّدّ على النّصارى في زعمهم المنتن واعتقادهم الكريه .
قيل : والآية في تقديم مالهما من صفات الكمال ، وتأخير ما لأفراد جنسهما من نقائص البشريّة على منوال قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ . . .
التّوبة :
43 ؛ حيث قدّم سبحانه العفو على المعاتبة له صلى اللّه عليه وسلم لئلّا