مع أموالهم ، ويفهم من « الكشّاف » أنّ المعيّة تدلّ على غاية قبح فعلهم ؛ حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها ، وفي ذلك تشهير لهم بما كانوا يصنعون فلا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها ، ويندفع السّؤال بذلك .
وأنت تعلم أنّ السّؤال لا يرد ليحتاج إلى الجواب إذا فسّر تبدّل الخبيث بالطّيّب باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه ، لأنّه حينئذ يكون ذلك نهيا عن أكلها وحدها وهذا عن ضمّها ، وليس الأوّل مطلقا حتّى يرد سؤال بأنّه أيّ فائدة في هذا بعد ورود النّهي المطلق ، وفي « الكشف » لو حمل الانتهاء في ( إلى ) على أصله - على أنّ النّهي عن أكلها مع بقاء مالهم ، لأنّ أموالهم جعلت غاية - لحصلت المبالغة ، والتّخلّص عن الاعتذار . وظاهر هذا النّهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى ، وقد خصّ من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الوليّ فقيرا ، وكون ذلك من مال اليتيم ممّا لا يكاد يخفى ، فالقول بأنّه لا حاجة إلى التّخصيص ، لأنّ ما يأخذه الأولياء من الأجر فهو مالهم ، وليس أكله أكل مالهم مع مالهم ، لا يخلو عن خفاء . ( 4 : 188 )
يأكل
أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها . . .
الفرقان : 8
أبو زرعة : قرأ حمزة ، والكسائيّ : ( نأكل منها ) بالنّون . وقرأ الباقون بالياء ، أي محمّد صلى اللّه عليه وسلم . وحجّتهم قوله :
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ
الفرقان : 10 ، فخصّه بالوصف . ولم يقل : جعل لكم فيدخلوا معه في الوصف .
ومن قرأ بالنّون : أخبر المتكلّم عن نفسه مع جماعة ، كأنّهم أرادوا أن يكون للنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم جنّة له دونهم يرونها ، ويأكلون منها حتّى يتيقّنوا صحّة ذلك بأكلهم منه ، نظير ما أخبر عنهم في قيلهم له :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
الإسراء : 90 ، وقيلهم أيضا له :
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ . . .
الإسراء : 93 ، ولم يقل : « تقرؤه أنت علينا حتّى تفجر لنفسك . » ( 507 )
نحوه الطّوسيّ ( 7 : 473 ) ، والميبديّ ( 7 : 7 ) ، والفخر الرّازيّ ( 24 : 52 ) ، وأبو حيّان ( 6 : 483 ) ، والآلوسيّ ( 18 : 238 ) .
القرطبيّ : ( يأكل ) بالياء قرأ المدنيّون ، وأبو عمرو ، وعاصم . وقرأ سائر الكوفيّين بالنّون ، والقراءتان حسنتان تؤدّيان عن معنى ، وإن كانت القراءة بالياء أبين ، لأنّه قد تقدّم ذكر النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وحده ، فأن يعود الضّمير عليه أبين ، ذكره النّحّاس . ( 13 : 5 )
يأكلان
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ . . .
المائدة : 75
الطّبريّ : خبر من اللّه تعالى ذكره عن المسيح وأمّه ، أنّهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما ، وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب ، كسائر البشر من بني آدم ، فإنّ من كان كذلك فغير كائن إلها ، لأنّ المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره ، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه ، والعاجز لا يكون إلّا مربوبا ، لاربّا .