يتولّى كبير الشّيء ، أعظم إثما ممّن هو كالتّابع ، وبيّن أنّ الواجب على من يسمع مثل ذلك أن لا يظنّ صحّته بمن عرف عفّته . ويؤيّده قوله :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً . . .
النّور :
12 .
وفيه أنّ الواجب في مثله الاعتماد على الشّهادة ، فإذا انتفت وجب الكفّ ، وهو معنى قوله :
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ . . .
النّور : 13 ، لأنّ المراد : هلّا فعلوا ذلك .
( 284 )
الطّوسيّ : وهو الكذب الّذي قلب فيه الأمر عن وجهه ، وأصله الانقلاب . ومنه المؤتفكات . وأفك يأفك أفكا ، إذا كذب ، لأنّه قلب المعنى عن حقّه إلى باطله فهو آفك ، مثل كاذب . ( 7 : 414 )
نحوه الميبديّ ( 6 : 52 ) ، والطّبرسيّ ( 4 : 131 ) .
الزّمخشريّ : الإفك : أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتّى يفجأك .
وأصله الأفك ، وهو القلب ، لأنّه قول مأفوك عن وجهه ، والمراد : ما أفك به على عائشة . ( 3 : 52 )
نحوه البيضاويّ ( 2 : 119 ) ، والنّسفيّ ( 3 : 134 ) ، والنّيسابوريّ ( 18 : 75 ) ، وأبو حيّان ( 6 : 636 ) .
الفخر الرّازيّ : [ ذكر مثل الزّمخشريّ وأضاف : ]
وإنّما وصف اللّه تعالى ذلك الكذب بكونه إفكا ، لأنّ المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه . . . [ فراجع ]
( 23 : 172 )
الآلوسيّ : أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وكثيرا ما يفسّر بالكذب مطلقا . وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتّى يفجأك .
وجوّز فيه فتح الهمزة والفاء ، وأصله من الأفك بفتح فسكون ، وهو القلب والصّرف لأنّ الكذب مصروف عن الوجه الّذي يحقّ . والمراد به : ما أفك به على أنّ اللّام فيه للعهد وجوّز حمله على الجنس . قيل :
فيفيد القصر ، كأنّه لا إفك إلّا ذلك الإفك .
وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنّهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل . ( 18 : 111 )
الطّباطبائيّ : الآيات تشير إلى حديث الإفك ، وقد روى أهل السّنّة أنّ المقذوفة في قصّة الإفك هي أمّ المؤمنين عائشة ، وروت الشّيعة أنّها مارية القبطيّة أمّ إبراهيم الّتي أهداها مقوقس ملك مصر إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه واله .
وكلّ من الحديثين لا يخلو عن شيء .
فالأحرى أن نبحث عن متن الآيات في معزل من الرّوايتين جميعا ، غير أنّ من المسلّم أنّ الإفك المذكور فيها كان راجعا إلى بعض أهل النّبيّ صلّى اللّه عليه واله ، إمّا زوجه وإمّا أمّ ولده . وربّما لوّح إليه قوله تعالى :
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . . .
النّور : 15 ، وكذا ما يستفاد من الآيات أنّ الحديث كان قد شاع بينهم وأفاضوا فيه ، وسائر ما يؤمي إليه من الآيات .
والمستفاد من الآيات أنّهم رموا بعض أهل النّبيّ صلّى اللّه عليه واله بالفحشاء ، وكان الرّامون عصبة من القوم ، فشاع الحديث بين النّاس يتلقّاه هذا من ذاك . وكان بعض المنافقين أو الّذين في قلوبهم مرض يساعدون على إذاعة الحديث حبّا منهم أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا ، فأنزل اللّه الآيات ودافع عن نبيّه صلّى اللّه عليه واله . ( 15 : 89 )