الّذي هو مركز هذه الدّائرة المتكوّنة من التقاء الأرض والسّماء على امتداد البصر - يجد نفسه كلّما تحرّك تغيّر الأفق الّذي من حوله بحسب حركته ؛ ليظلّ هو كلّما انتقل من موضع إلى آخر مركزا لها . فتتعدّد الآفاق وتكثر بحسب تعدّد حركة الإنسان وكثرتها أو بحسب الجهات الأربع حوله .
ومن هنا تأتي ( الآفاق ) إشارة إلى اللّامحدود واللّامتناهي في مقابلة النّفس ذات الحجم المحدود والمتناهي
فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
في ذلك العالم الواسع وفي هذا الجرم الصّغير . ولذا كانت « الآيات » أيضا بصيغة الجمع تركيزا لمعنى اللّامحدوديّة ، واللّامحدود في ( الآفاق ) .
رابعا : أمّا ماهيّة ( الأفق الاعلى ) فلا مجال إلى الوصول إلى استكناه حقيقتها ، وإنّما نكتفي ببيان أنّها أعلى ما يمكن أن يعيه العقل البشريّ من نهايات الكون العليا وطبقاته الّتي تسمو فيها واحدة على أخرى .
ولا نستطيع الأخذ بتحديد بعض القدماء من أنّه أفق عالم العقول مثلا أو ما شابهه ، بل لا نتجاوز القول بأنّ التّركيب هنا دالّ على التّحديد وعلى العلوّ ؛ وتبقى الكيفيّة في ضمير الغيب .
خامسا : وكذا القول في ماهيّة ( الأفق المبين ) فلا ندري وجه من رأى أنّه دالّ على مطلع الشّمس الأعلى ، وإنّما قصارى ما يمكن الوصول إليه أنّ التّركيب يشير إلى تبيّن الحقيقة في حدود واضحة مبيّنة ، وكذا تبقى الكيفيّة قابلة للأخذ والعطاء .
سادسا : ثمّ إنّ ( الأفق الاعلى ) قد يختلف عن ( الأفق المبين ) ودلّ هذا ، على التّعدّد ، حتّى إذا ما قلنا : « آفاق » أشرنا إلى ذلك التّعدّد بصيغة الجمع . غير أن لفظة ( سنريهم ) تقيّد المطلق بالقدرة البشريّة ، فلا يكون للبشر أن يصلوا إلى رؤية ( الأفق الاعلى ) ولا إلى ( الأفق المبين ) وإنّما حسبهم هذه الآفاق الّتي تدركها أبصارهم وتمثّل غاية معرفتهم في مقابل ( أنفسهم ) الّتي تحبسها جلودهم .
سابعا : جاء « أفق » مقرونا بالرّؤية صراحة أو تقديرا ، كما في ( 1 ) فكاد يكون علاقة بين المفهومين ، فالأفق ما يرى حول الإنسان وليس مطلق ما أحاط به كما نطقت به نصوص اللّغة ، فالأطراف إذا كانت مرئيّة بالبصر فهي آفاق . وهذه نكتة لا ينبغي التّغافل عنها .
ثامنا : المادّة كما قلنا تدلّ على السّعة ، وهذا متلائم تماما مع ما جاء في نزول ( 1 و 2 ) من أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه واله نظر ما وسع نظره ، وفتح بصره فرأى آفاقا لا تتناهى ، ملأها جبرائيل بجناحيه ، كما أنّه تعالى سيري النّاس آفاقا محسوسة ومعقولة لا حدّ لها ، لا في الأرض ولا في السّماء ولا في الأنفس ، من أسرار الكون الّتي تنكشف لدى الإنسان مدى الأزمان ولا تنتهي أبدا ، كما قال تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
لقمان : 27 .
وبهذا دلّ ما جاء في وصف أمين الوحي من الأوصاف :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ،
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ،
فما ظنّك بمن كان مكينا عند