ذي العرش ، وقد وسع كرسيّه السّماوات والأرض .
وبالّذي أصبح معلّما للنّبيّ صلّى اللّه عليه واله وللأنبياء قبله ؟
فعلمه وقدرته مستمدّان من اللّه الّذي لا حدّ ولا نهاية لعلمه وقدرته ، أي أنّه اتّصل باللّامتناهي ، فأصبح لا يتناهي في صفاته وكماله .
تاسعا : إنّ آيات ( 1 و 2 ) توصيف للقرآن متعلّقا بالرّسول ، فالقرآن لا شكّ أنّه مبدأ يوسّع أفق رؤية النّبيّ صلّى اللّه عليه واله ، أمّا الآية ( 3 ) مع أنّها - بملاحظة ما قبلها - ليست منقطعة عن الوحي والرّسالة ، فقد جاءت بشأن النّاس مرتبطا بآيات اللّه ، ومعنى هذا أنّ العالم بما فيه من الآيات الكونيّة ، سواء في الأرض أم في السّماء أو في الأنفس ، آفاق للنّاس ، كما أنّ القرآن بما فيه من الآيات المنزلة ، آفاق للرّسول صلّى اللّه عليه واله ، فالنّبيّ صلّى اللّه عليه واله يرى في القرآن ما يراه النّاس في الكون ، وأنّ ما في القرآن يفسّره ما في الكون ، وأنّ أفق الوحي يحاذي أفق الخلق وكلاهما لا يتناهيان ، وأنّ آفاق الوحي قد انتهت لفظا ، أمّا المعاني فهي كعديلها - آفاق الخلق - لا تنقطع أبدا ، وستتلى آياتها على النّاس ويهتدون بهداها مدى الزّمان .
وهذه بشرى للبشر بأنّ معرفتهم بأسرار الكون ستزداد وتدوم ، لكن بما هي آيات اللّه لا آيات الطّبيعة ، كما أنّ علمهم بأسرار الوحي وما يحتوي عليه القرآن سوف يتّسع ولا ينقطع ولا ينتهي .
عاشرا : ما أومأنا إليه خلال البحث أنّ الرّؤية والأفق يشملان المحسوس والمعقول له شاهد من الآيات نفسها ، فقوله في ( 3 ) :
وَفِي أَنْفُسِهِمْ
يعمّ الجسم والعقل . والرّؤية العقليّة هي معقولة وليست بمحسوسة .
وجاء بعدها قوله :
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ
وهو يعمّ الدّارين ، ولقاء اللّه في الدّارين معقول وليس بمحسوس على خلاف من الأشاعرة في الدّار الآخرة .
وكذلك قوله :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
إشارة إلى معرفة اللّه باللّه بشهود القلب من دون النّظر إلى الآيات ، ويعبّرون عنه ب « برهان الصّدّيقين » .
وفي ذيل ( 1 ) قوله :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
جمع بين رؤية الفؤاد ورؤية البصر .
ثمّ إنّ في هذه الآيات أسرارا هامّة بشأن الوحي والرّسالة وشهود اللّه ، ليس هنا موضع ذكرها .