البصر فتكون أفقا له ، سواء كان ذلك في حدود البيت ، أم في حدود الطّبيعة .
4 - ثمّ تنتقل هذه المعاني لتجتمع في الظّاهرة الطّبيعيّة ؛ حيث ينتهي البصر إلى التقاء الأرض والسّماء في الدّائرة الملحوظة من حول الإنسان . ولقد أنتجت هذه الظّاهرة ، ونعني بها ظاهرة شعور الإنسان بكونه أسيرا ضمن إطار « الأفق » من حوله الّذي هو أشبه ما يكون بإسار الحيوان في « أفقه » ، أي جلده ، نقول : أنتجت هذه الظّاهرة لدى الإنسان فظهرت في سلوكه وفي شعوره وسائر آدابه . ولربّما كان لهذا الشّعور صداه في أوزان الشّعر العربيّ من حيث رتابة الإيقاع ، والدّوائر العروضيّة ، وغيرها .
الاستعمال القرآنيّ
جاء الأفق مفردا وجمعا في ثلاث آيات :
1 -
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
النّجم : 4 - 10
2 -
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
التّكوير : 19 - 24
3 -
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ مُحِيطٌ
فصّلت : 53 ، 54
يلاحظ أوّلا : أنّه قد ارتبط الأفق في القرآن بنحو باللّه تعالى ، ففي ( 1 ) و ( 2 )
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ،
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
تعلّق بأمين وحيه جبرئيل ، وإليه يرجع الضّمير ( هو ) و ( راه ) وهو الموصوف ب ( ذو مرّة ) و ( شديد القوى ) ، ومن أرجع الضّميرين إلى اللّه فقد أخطأ . وأمّا في ( 3 )
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
فقد تعلّق به تعالى وبآياته مباشرة ، واختصاص هذه المادّة باللّه تعالى له معناه كما يأتي .
ثانيا : حينما أفرد لفظ ( الأفق ) وصف مرّة ب ( الاعلى ) وأخرى ب ( المبين ) ، وحينما جمع ب ( الآفاق ) ترك بلا توصيف ، وذلك أنّ في الأفق محدوديّة غير واضحة ، فكان لا بدّ لها من أن تتوضّح . أمّا في ( الآفاق ) فلا توجد تلك المحدوديّة ، بل يوجد الإطلاق بلا حاجة إلى تحديد ولا تقييد بوصف .
ثالثا : ثمّ إنّ لفظة « أفق » لغويّا لها دلالات متعدّدة - كما رأينا - اعتبارا من دلالتها على الجلد وانتهاء بدلالتها على نواحي البيت . فأمّا ( الآفاق ) فهو جمع له لا بمعنى الجلد ؛ لأنّه بهذا المعنى يجمع على أفق ومفرده أفيق . وإنّما هو جمع للجوانب والنّواحي ، أفي البيت كان ذلك أم في الطّبيعة . ثمّ هي مطلقة ، وبهذا الإطلاق أضحت دالّة على الطّبيعة ، على تلك الدّائرة الّتي تلتقي فيها الأرض والسّماء من حول الإنسان .
ولمّا كانت الآفاق ليست لها حدود مادّيّة ثابتة ، بمعنى أنّ الآفاق تتضمّن تعدّدا وتغيّرا وتشكّلا ، فالإنسان