تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
المطبقة . وجعلها المفسّرون من قبيل الإسناد المجازيّ ، فقالوا : أي مطبقة الأبواب ، ومنهم من قال : أراد إحاطة النّار بهم من جميع الجوانب ، وهو الظّاهر الوافي بالمقصود هنا ، فلا داعي لإطلاق المجاز بتقدير « الأبواب » ، ولو كان هناك مجاز فهو من قبيل الاستعارة تشبيها للنّار بالأبواب ، أي أنّها أطبقت عليهم كما تطبق الأبواب على ما خلفها . وفي الآية الثّالثة جعل المفسّرون « الوصيد » بمعنى الباب أو الفناء ؛ فمن ذهب إلى المعنى الأوّل نظر إلى حال أصحاب الكهف وحال كلبهم ، فهم كانوا على وجل من أن يدركهم قومهم ويعيدوهم في ملّتهم ، فجعلوا كلبهم بالباب يحرسهم ، ثمّ إنّ الكلب جبل على حراسة صاحبه والذّود عن ماله ، فلا يتحقّق هذا المعنى إلّا بجعل الوصيد بمعنى الباب دون الفناء . ومن ذهب إلى المعنى الثّاني نظر إلى كون الكهف لا باب له ، فجعل الوصيد بمعنى الفناء اضطرارا . ولكن هذا الرّأي ليس بشيء ، لأنّ الباب يطلق على المدخل وإن كان لا مصراع له . 3 - ويبيّن سياق الآيتين إحاطة النّار واستعلاءها عليهم :
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
البلد : 20 ، و
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
الهمزة : 8 . وتشدّد كلمة « على » معنى الإطباق وتكمّله بإضافة عنصر « العلوّ » إليه متّصفة به النّار أيضا . وهذا يدعم ما اخترناه من عدم مناسبة تقدير « الأبواب » ، وقد استقت الدّكتورة بنت الشّاطئ معنى الإطباق من ( عليهم ) وليس بشيء ، فلاحظ . كما يناسب هذا السّياق قوله :
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . .
. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
الهمزة : 7 - 9 ، أي أنّ النّار لا تحيط بهم وتستعلي عليهم فحسب ، بل تنفذ إلى باطنهم وأفئدتهم فتحرق جوفهم كما تحرق بشرتهم ، وتؤذي أرواحهم كما تؤذي أجسامهم . وحينما تنفذ هذه النّار تكون في صورة عمد ممدّدة ، وهذا تقرير لسلطانها واقتدارها على النّفوذ . أو أنّ الأبواب - كما قيل - تطبّق عليهم . ومدّ العمد عليها استيثاقا من عدم اقتدارهم على فتحها ، وسدّ سبل الخلاص منها . 4 - ولعلّ الإتيان بلفظ ( نار ) و ( نار اللّه ) منكّرا تارة ومضافا إلى اللّه أخرى ، وانفراد ( مؤصدة ) بصيغة التّأنيث والتّنكير في آخر سورتين مكّيّتين ، تصوير لتلك العاقبة المشؤومة الّتي لا يعلمها إلّا اللّه ؛ تختم بها حياتهم في الدّنيا ، وينتهي إليها أمرهم في الآخرة ، كما هو تصوير لحالتهم النّفسيّة - بالفعل - وضيق معيشتهم بمكّة حينذاك . قال البروسويّ : فيه إشارة إلى أنّ نار الحجاب والخذلان والخسران مؤصدة على النّفس الأمّارة . وقال غيره : لا يخرج منها غمّ ولا يدخل فيها روح إلى آخر الأبد . وقيل : لا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها إلى آخر الأبد . وقيل : هو تأكيد للإياس من الخروج . وكلّ ذلك تعبير عن حقيقة حالهم وختام أمرهم . 5 - وأمّا الوصيد فقد قيل في معناه : إنّه الباب أو الفناء أو العتبة أو بيت من الحجارة في الجبل . وأنسب هذه الأقوال هنا أحد الثّلاثة الأولى دون الأخير . وعلى رأي « بنت الشّاطئ » أنّه الباب الموصد بإحكام ، كما أنّ الإيصاد عندها هو الإغلاق بإحكام .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 409 | مجمع البحوث الاسلامية