وأوصدته ، لغتان . ولم يقل : مطبقة ، لأنّ المؤصدة هي الأبواب المغلقة ، والإطباق لا يفيد معنى الباب .
وأعلم أنّ الآية تفيد المبالغة في العذاب من وجوه :
أحدها : أنّ قوله :
لَيُنْبَذَنَّ
الهمزة : 4 ، يقتضي أنّه موضع ، له قعر عميق جدّا كالبئر .
ثانيها : أنّه لو شاء يجعل ذلك الموضع بحيث لا يكون له باب ، لكنّه بالباب يذكّرهم الخروج ، فيزيد في حسرتهم .
ثالثها : أنّه قال :
عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
ولم يقل :
مؤصدة عليهم ، لأنّ قوله :
عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
يفيد أنّ المقصود أوّلا كونهم بهذه الحالة ، وقوله : مؤصدة عليهم ، لا يفيد هذا المعنى بالقصد الأوّل . ( 32 : 95 )
النّيسابوريّ : المطبقة الأبواب ، آصدت الباب وأوصدته لغتان . يوصد عليهم الأبواب ، ويمدّد على الأبواب العمد استيثاقا في استيثاق .
وجوّز أن يراد أنّ أبواب النّار عليهم مؤصدة حال كونهم موثقين في عمد مقطرة ، والمقطرة : خشبة فيها خروق ، يدخل فيها أرجل المحبوسين . ( 30 : 178 )
الفيروزاباديّ : أي مطبقة ، همزها أبو عمرو ، وحمزة ، وخلف ، وحفص ، واختلف على يعقوب ، والباقون بغير همز .
وأوصد واستوصد : اتّخذ حظيرة .
( بصائر ذوي التّمييز 5 : 222 )
البروسويّ : أي إنّ تلك النّار الموصوفة مطبقة أبوابها عليهم ، تأكيدا ليأسهم من الخروج وتيقّنهم بحبس الأبد ، من أوصدت الباب وآصدته ، أي أطبقته .
( 10 : 509 )
المراغيّ : أي إنّها مطبقة عليهم لا يخرجون منها ولا يستطيعون الخروج إذا شاؤوا . ( 30 : 240 )
نحوه الطّباطبائيّ . ( 20 : 360 ) وفضل اللّه ( 24 : 415 ) .
بنت الشّاطئ : الكلمة من آيتي : الهمزة في نار اللّه الموقدة ، نذيرا لكلّ همزة لمزة :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
الهمزة 8 ، 9 ، والبلد : 19 ، 20 ،
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
ولم يأت في القرآن من المادّة غير هذه الصّيغة في الآيتين ، ومعهما ( الوصيد ) في :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
الكهف : 18 .
وتفسير ( مؤصدة ) بمطبقة تقريب ، ومعنى الإطباق أقرب إلى أن يفهم من لفظ ( عليهم ) ؛ إذ تفيد من الملاصقة والإطباق المباشر ، ما لا تفيد « فوقهم » ، لاحتمال أن تكون الفوقيّة غير ملاصقة ولا مطبقة .
أمّا الإيصاد فأصل معناه الإغلاق المحكم . والعربيّة استعملت الوصيد للبيت الحصين يتّخذ للمال من حجارة في الجبال . واستوصد في الجبل : اتّخذ فيه وصيدا .
ولا نخطّئ دلالة الإيصاد على الإغلاق المحكم في الآيات الثّلاث للمادّة :
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ،
( موصدة ) ، على كلّ ( همزة لمزة ) ، وعلى الّذين كفروا ( أصحاب المشئمة ) ، وكلب أهل الكهف
باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ .
وقد لمح الرّاغب معنى الإحكام مع الإطباق ، فقال في آيتي الهمزة والبلد : يقال : أوصدت الباب ، أي أطبقته وأحكمته . والوصيد : المتقارب الأصول ،