مثل : جاءني رجل فضربت الرّجل . ويفيد التّفخيم أو التّحقير أيضا ، والجملة الثّانية ردّ لقولهم ، وأريد به :
أنّكم أنتم الكذّابون الأشرون ، وسيتبيّن ذلك .
وثانيا : يبدو أنّ مجيء هذا اللّفظ - على قلّته - في القرآن في سورة القمر الّتي رويّ آياتها « راء » لرعاية الرّويّ ، وهذا هو الغالب في كلّ لفظ شذّ وروده في القرآن في آخر الآيات .
وثالثا : يبدو أنّ « أشرا » أبلغ في معناه من « البطر » كما أنّ البطر - على ما قاله الرّاغب - أبلغ من الفرح . والفرح منه ممدوح ، مثل :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
يونس : 58 ، ومنه مذموم مثل :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
القصص : 76 ، وأمّا الأشر فهو - كما قلنا - يستعمل دائما في ذمّ الإنسان .
ورابعا : وصف الكذّاب مع الأشر ، فيه تأكيد يدلّ على منتهى الفرح والبطر . كما أنّ الكذّاب مبالغة في الكذب ، فالمراد أنّه يكذب كثيرا ، وهو فرح بذلك لا يبالي بما يقول وبما يقال فيه . كما يدلّ على عجلة وحدّة ، كأنّه منشار يقطع الفكر والعمل ، ومثل المنشار يردّ النّجارة ، واللّه تعالى يردّ عليهم بمثل ذلك ، ففي الآيتين افتراء وردّ عليه مثل عمل المنشار .
وخامسا : مدار الآيتين ذمّ لقوم ثمود الّذين ينعتهم القرآن بأنّهم كانوا أشدّاء فارهين :
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
الشّعراء : 149 ، فهم كانوا يتحمّلون المشاقّ في نحت الجبال بالمناشير كعادة لهم . فمن هذا المنطلق قاسوا النّبيّ « صالحا » بأنفسهم ، ووصموه بالبطر في القول والحدّة في ادّعاء النّبوّة ، وأنّه ( كذّاب أشر ) . فردّ اللّه عليهم بأنّهم سيعلمون غدا يوم تبلى السّرائر وتنجلي البواطن أيّهما المتّصف بذلك : النّبيّ « صالح » أم قومه « ثمود » ؟
وإنّ سيرتهم في الحياة وشظف عيشهم ، نعم الشّاهد على أنّهم المتّصفون بتلك الصّفات وستزيد اشتدادا
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
الإسراء : 72 .