سيّد قطب :
شديد الطّمع في اختصاص نفسه بالمكانة ، وهو الاتّهام الّذي يواجه به كلّ داعية ، اتّهامه بأنّه يتّخذ الدّعوة ستارا لتحقيق مآرب ومصالح ، وهي دعوى لمطموسين الّذين لا يدركون دوافع النّفوس ومحرّكات القلوب .
وبينما يجري السّياق على أسلوب الحكاية لقصّة غبرت في التّاريخ يلتفت فجأة وكأنّما الأمر حاضر ، والأحداث جارية ، فيتحدّث عمّا سيكون ، ويهدّد بهذا الّذي سيكون ،
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ .
وهذه إحدى طرق العرض القرآنيّة للقصص ، وهي طريقة تنفخ روح الحياة الواقعيّة في القصّة ، وتحيلها من حكاية تحكى إلى واقعة تعرض على الأنظار ، يترقّب النّظّارة أحداثها الآن ، ويرتقبونها في مقبل الزّمان :
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
وسيكشف لهم الغد عن الحقيقة ، ولن يكونوا بمنجاة من وقع هذه الحقيقة ، فستكشف عن البلاء المدمّر للكذّاب الأشر .
( 6 : 3432 )
المراغيّ :
شديد البطر .
والبطر : دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النّعمة وقلّة القيام بحقّها . ( 27 : 88 )
حجازيّ :
هو المرح والتّجبّر والنّشاط مع التّعاظم .
( 27 : 37 )
المصطفويّ : من يكذب بطرا وباقتضاء الهوى وبالحدّة . ( 1 : 80 )
الأصول اللّغويّة
1 - أصل هذه المادّة يدلّ على النّشاط والسّرور المفرط ؛ بحيث يخرج الإنسان عن الحالة الطّبيعيّة ، فلا يبالي ؛ بما يقول ويفعل . ثمّ إنّ فيه نوعا من الحدّة والعجلة .
2 - ثمّ انتقل إلى حدّة في الجسم مثل الأسنان ، ومنه « المئشار » بمعنى المنشار ، لأنّ فيه حدّة .
3 - ولو قيل : إنّ الأصل فيه هو الحدّة في الأسنان - لأنّه المشاهد أوّلا ، ثمّ انتقل إلى حدّة في الخلق ، أي النّشاط المفرط - لما كان بعيدا عن الصّواب . وهذا هو دأبنا في كثير من أصول اللّغات .
ويناسبه أيضا أنّ الفرح والسّرور المفرط يظهر أوّل ما يظهر في الأسنان ، ولهذا قيل : لا أضحك اللّه سنّ الدّهر .
4 - فالمادّة بالمعنى الأوّل صفة ذمّ للإنسان دائما ، وأمّا بالمعنى الثّاني فقد يجيء في المدح لغير الإنسان ، مثل :
في أسنانها أشر ، بل في الإنسان أيضا .
الاستعمال القرآنيّ
* جاء ( أشر ) في سورة مكّيّة مرّتين :
أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
القمر : 25 ، 26
ويلاحظ أوّلا : أنّ التّنكير في الأولى « للتّفخيم أو للتّحقير » ، والتّعريف في الثّانية من باب العهد الذّكريّ ،