وهذا بعينه جار في أنهار من لبن وخمر وعسل ، فإنّها أيضا وحيدة في نوعها لا يوجد لها في أنهار الدّنيا نظير ، وهذا مصداق « ما لم يخطر على قلب بشر » .
ورابعا : جاء في وصف الماء :
غَيْرِ آسِنٍ ،
وفي وصف لبن :
لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ؛
فإنّ آسن خاصّ بالماء ، عامّ لكلّ تغيّر ، سواء في الطّعم أو اللّون أو الرّيح ، وأمّا اللّبن فتغيّره في الطّعم فقط ، على أنّ في تنوّع الألفاظ تفنّن في الكلام .
وجاء في وصف الخمر أيضا أنّها ( لذّة للشّاربين ) ؛ لأنّها أظهر أوصافها الّتي يتوقّع منها وأوج كمالها ؛ حيث إنّ شربها للإلتذاذ ليس إلّا . كما جاء توصيف العسل بأنّه مصفّى ؛ لأنّ كماله بصفائه ، فكلّ وصف مناسب لموصوفه .
وخامسا : أعيدت كلمة ( انهار ) أربع مرّات ، لعلّها - واللّه أعلم - إشارة إلى أنّ في الجنّة أربعة أنهار من كلّ نوع . على أنّها لو لم تتكرّر لأوهم أنّ هناك أنهار من مجموع هذه الأجناس ، من كلّ منها نهر ، والحال أنّ كلّامن الأجناس متعدّد .
على أنّ تكرار الأنهار يجسّم للإنسان تلك المناظر الطّريفة الخلّابة ؛ حيث أحاط بأهل الجنّة أنهار ، فأينما ينظرون يجدون أنهارا جارية من أجناس شتّى .
وسادسا : لاحظ وقس هذه السّعة في العيش لأهل الجنّة مع ما جاء في ذيل الآية لأهل النّار :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
فليس فيه إلّا نوع واحد ، حميم يقطّع الأمعاء ، أعاذنا اللّه منه .
وسابعا : هي أطول آية في السّورة - وهي سورة محمّد - وبمنزلة بيت القصيد فيها تبشّر المتّقين أي المؤمنين حقّا بألوان من الشّراب وأنواع من الطّعام « من كلّ الثّمرات » كما تبشّرهم بمغفرة من ربّهم المشعرة برضوانه ، وهو غاية المطاف كما قال :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
التّوبة : 72 .
وثامنا : هذه الآية مبيّنة لكلّ آية جاء فيها وصف الجنّة ب
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
ومنها في هذه السّورة قبلها آيتين :
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
محمّد : 12 ، ولعلّها من أجل ذلك أخّرت إلى سورة مدنيّة لتكون بيانا لما تقدّمها في السّور المكّيّة والمدنيّة ، واللّه أعلم بسرّ كتابه [ لاحظ « ن ه ر » ] .