لا يستحقّ الهلاك ، فجاء سبحانه بالدّعاء على الهالكين ، ليعلم أنّهم مستحقّو الهلاك ، فإنّ عدله منع أن يدعو على غير مستحقّ للدّعاء عليه .
والانفصال فإنّ لقائل أن يقول : إنّ لفظة ( القوم ) مستغنى عنها ، فإنّه لو قيل : « وقيل بعدا للظالمين » لتمّ الكلام ، والانفصال عن ذلك أن يقال : لمّا سبق في صدر الكلام قبل الآية قوله تعالى :
وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ،
وقال سبحانه قبل ذلك مخاطبا لنوح عليه السّلام :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
هود : 37 ، فاقتضت البلاغة أن يؤتى بلفظة ( القوم ) الّتي آلة التّعريف فيها للعهد ، ليتبيّن أنّهم القوم الّذين تقدّم ذكرهم في قوله تعالى :
وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ ،
ووصفهم بالظّلم ، وأخبر بسابق علمه أنّهم هالكون بقوله :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ،
فحصل الانفصال عن الإشكال ، وعلم أنّ لفظة ( القوم ) ليست فضلة في الكلام .
والمساواة لأنّ لفظ الآية لا يزيد على معناه ولا ينقص عنه .
وحسن النّسق في عطف القضايا بعضها على بعض بأحسن ترتيب ، حسبما وقعت أوّلا فأوّلا ؛ فإنّه سبحانه أمر الأرض بالابتلاع ، ثمّ عطف على ذلك أمر السّماء بالإقلاع ، ثمّ عطف غيض الماء على ذلك ، ثمّ عطف على ذلك قضاء الأمر بهلاك الهالكين ونجاة النّاجين ، ثمّ عطف على ذلك استواء السّفينة على الجوديّ ، ثمّ عطف على ذلك الدّعاء على الهالكين ، فجاء عطف الجمل على ترتيب وقوعها في الوجود ، وائتلاف اللّفظ مع المعنى ، لكون كلّ لفظة لا يصلح في موضعها غيرها .
والإيجاز لأنّه سبحانه اقتصّ القصّة بلفظها مستوعبة ؛ بحيث لم يخلّ منها بشيء في أخصر عبارة ، بألفاظ غير مطوّلة .
والتّسهيم لأنّ من أوّل الآية إلى قوله تعالى :
( اقلعى ) يقتضي آخرها .
والتّهذيب لأنّ مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن ، كلّ لفظة سهلة مخارج الحروف ، عليها رونق الفصاحة ، مع الخلوّ من البشاعة ، والتّركيب سليم من التّعقيد وأسبابه .
وحسن البيان من جهة أنّ السّامع لا يتوقّف في فهم معنى الكلام ، ولا يشكل عليه شيء منه .
والتّمكين لأنّ الفاصلة مستقرّة في قرارها ، مطمئنّة في مكانها ، غير قلقة ولا مستدعاة .
والانسجام في تحدّر الكلام بسهولة وعذوبة سبك ، مع جزالة لفظ ، كما ينسجم الماء العليل من الهواء .
فانظر إلى عظمة هذا الكلام ، وما انطوى عليه نظمه وما تضمّنه لفظه لتقدّره قدره . ( 366 - 368 )
علم اللّه بما في الأرض
1 -
. . . وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . . .
يونس : 61
الزّمخشريّ : فإن قلت : لم قدّمت ( الأرض ) على ( السماء ) بخلاف قوله :
عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
؟ سبأ : 3 .
قلت : حقّ ( السّماء ) أن تقدّم على ( الأرض ) ، ولكنّه لمّا ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم