أنّه أراد أنّ هناك استعارة بالكناية حيث ذكر المشبّه ، أعني السّماء والأرض المراد منهما حصول أمر ، وأريد المشبّه به ، أعني المأمور الموصوف بأنّه لا يتأتّى منه العصيان ادّعاء بقرينة نسبة الخطاب إليه ، ودخول حرف النّداء عليه - وهما من خواصّ المأمور المطيع - ويكون هذا تخييلا .
وقد يقال : أراد أنّ الاستعارة هاهنا تصريحيّة تبعيّة في حرف النّداء ، بناء على تشبيه تعلّق الإرادة بالمراد منه بتعلّق النّداء والخطاب بالمنادى المخاطب ، وليس بشيء ؛ إذ لا يحسن هذا التّشبيه ابتداء بل تبعا للتّشبيه الأوّل ، فكيف يجعل أصلا لمتبوعه ؟ ! على أنّ قوله للشّبه المذكور يدفع هذا الحمل . ثمّ استعار لغور الماء في الأرض « البلع » الّذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشّبه بينهما ، وهو الذّهاب إلى مقرّ خفيّ .
وفي الكشّاف جعل « البلع » مستعارا لنشف الأرض الماء ، وهو أولى ، فإنّ النّشف دالّ على جذب من أجزاء الأرض لما عليها كالبلع بالنّسبة إلى الحيوان ، ولأنّ النّشف فعل الأرض ، والغور فعل الماء مع الطّباق بين الفعلين تعدّيا .
ثمّ استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزّروع والأشجار ، تقويّ الآكل بالطّعام ، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ( ابلعي ) لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء .
ولا يخفى عليك أنّه إذا اعتبر مذهب السّلف في الاستعارة يكون ( ابلعي ) استعارة تصريحيّة ، ومع ذلك يكون بحسب اللّفظ قرينة للاستعارة بالكناية في الماء على حدّ ما قالوا : في
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ . *
وأمّا إذا اعتبر مذهبه فينبغي أن يكون « البلع » باقيا على حقيقته كالإنبات في « أنبت الرّبيع البقل » وهو بعيد ، أو يجعل مستعارا لأمر متوهّم كما في « نطقت الحال » فيلزمه القول : بالاستعارة التّبعيّة كما هو المشهور ، ثمّ إنّه تعالى أمر على سبيل الاستعارة للتّشبيه الثّاني ، وخاطب في الأمر ترشيحا لاستعارة النّداء .
والحاصل أنّ في لفظ ( ابلعي ) باعتبار جوهره استعارة لغور الماء ، وباعتبار صورته ، أعني كونه صورة أمر استعارة أخرى لتكوين المراد ، وباعتبار كونه أمر خطاب ترشيح للاستعارة المكنيّة الّتي في المنادى ، فإنّ قرينتها النّداء ، وما زاد على قرينة المكنيّة يكون ترشيحا لها . وأمّا جعل النّداء استعارة تصريحيّة تبعيّة حتّى يكون خطاب الآمر ترشيحا لها فقد عرفت ما فيه .
[ ثمّ نقل كلام السّكّاكيّ المتقدّم في « ماءك » إلى أن قال : ]
وزعم بعضهم أنّ الأرض والسّماء أعطيتا ما يعقلان به الأمر ، فقيل لهما حقيقة ما قيل ، وأنّ القائل ( بعدا ) نوح عليه السّلام ومن معه من المؤمنين . ولا يخفى أنّ هذا خلاف الظّاهر ولا أثر فيه يعوّل عليه ، والكلام على الأوّل أبلغ .
( 12 : 63 - 65 )
رشيد رضا : أي وصدر من عالم الغيب الأعلى نداء خاطب الأرض والسّماء بأمر التّكوين ، الّذي يسجد له العقلاء وغير العقلاء : يا أرض ابلعي ماءك كلّه الّذي عليك ، أو الّذي تفجّر من باطنك إن صحّ أنّ ماء السّماء