صار بحرا . [ إلى أن قال : ]
قرّر علماء البلاغة الفنّيّة أنّ هذه الآية أبلغ آية في الكتاب العزيز ، أحاطت بالبلاغة من جميع جوانبها وأرجائها اللّفظيّة والمعنويّة ، الّتي وضعت لفلسفتها الفنون الثّلاثة : المعاني والبيان والبديع ، وإنّ مثل هذا التّفاضل بين الآيات الّذي يقتضيه الحال والمقام ، لا ينافي بلوغ كلّ آية في موضعها وموضوعها درجة الإعجاز ، ولا يعدّ من التّفاوت المعهود في كلام أشهر البلغاء كأبي تمّام والمتنبّيّ ، وكذا غيرهما من شعراء الجاهليّة ، ومن بعدهم في الدّرجات الثّلاث العليا والسّفلى وما بينهما ، فآياته كلّها في الدّرجة العليا المعجزة للبشر ، وإن كان لبعضها مزيّة على بعض ، كما تراه في تكرار القصّة الواحدة من هذه القصص ، وقد بسطناه في تفسير آية التّحدّي
بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
هود : 13 ، من هذه السّورة . ( 12 : 80 )
الطّباطبائيّ : نداء صادر من ساحة العظمة والكبرياء ، لم يصرّح باسم قائله وهو اللّه عزّ اسمه للتّعظيم ، والأمر تكوينيّ تحمله كلمة ( كن ) الصّادرة من ذي العرش تعالى ، يترتّب عليه من غير فصل أن تبتلع الأرض ما على وجهها من الماء المتفجّر من عيونها ، وأن تكفّ السّماء عن أمطارها .
وفيه دلالة على أنّ الأرض والسّماء كانتا مشتركتين في إطغاء الماء بأمر اللّه كما يبيّنه قوله تعالى :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
القمر : 11 ، 12 .
( 10 : 230 )
حفني محمّد شرف : تلك آية عدد ألفاظها سبع عشرة لفظة ، بلغ حسن نظمها الدّرجة العليا ، وانسجام ألفاظها وائتلاف معانيها أدّيا إلى وجود عشرين لونا من ألوان البلاغة .
ففيها المناسبة التّامّة في ( اقلعى ) و ( ابلعي ) .
والمطابقة اللّفظيّة في ذكر السّماء والأرض .
والمجاز في قوله : ( يا سماء ) فإنّ الحقيقة يا مطر السّماء .
والإشارة في قوله تعالى :
وَغِيضَ الْماءُ ،
فإنّه سبحانه وتعالى عبّر بهاتين اللّفظتين عن معان كثيرة ، لأنّ الماء لا يغيض حتّى يقطع مطر السّماء ، وتبلع الأرض ما يخرج من عيون الماء ، فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء .
والإرداف في قوله :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
فإنّه عبّر عن استقرار السّفينة على هذا المكان ، وجلوسها جلوسا متمكّنا لا زيغ فيه ولا ميل ، لطمأنينة أهل السّفينة بلفظ قريب من لفظ الحقيقة .
والتّمثيل في قوله :
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
فإنّه عبّر بذلك عن هلاك الهالكين ونجاة النّاجين ، بلفظ فيه بعد ما من لفظ الحقيقة بالنّسبة إلى لفظ الإرداف .
والتّعليل لأنّ غيض الماء علّة الاستواء .
وصحّة التّقسيم حين استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه ؛ إذ ليس إلّا احتباس ماء السّماء ، واحتقان الماء الّذي ينبع من الأرض ، وغيض الماء الحاصل على ظهر الأرض .
والاحتراس في قوله :
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
محترسا من توهّم من يتوهّم أنّ الهلاك ربّما عمّ من