الجبر والاختيار .
الرّابع - أضيفت كلمة « إذن » إلى « ربّ » « 6 » مرّات ، وإلى « رحمان » مرّتين ، وفي غيرهما فهي مضافة إلى لفظ الجلالة أو إلى ضمير يعود إليه دلالة على قدرته وسلطانه ، ومعلوم أنّ إضافته إلى « ربّ » تشعر بأنّه نشأ عن ربوبيّته تعالى ، فنزول الملائكة والوحي بمثابة وصول البشر إلى مستوى الكمال ، كوصول الأرض والشّجر إلى الكمال عند الإنبات والإثمار ، وكذا الأمر في عمل الجنّ باعتبار أنّ هذه الأعمال يحصل بها كمال روحيّ لدى الجنّ ، وأيضا الخلود في الجنّة ناتج عن تكامل نفسانيّ وفيض ربّانيّ .
وأمّا إضافته إلى « الرّحمان » - في آيتي الشّفاعة « 13 » والتّكلّم « 12 » عند اللّه يوم القيامة - فمردّها إلى أنّ عرصات القيامة بما فيها من أنواع الأهوال والفزع تؤدّي إلى سلب حقّ الشّفاعة والاستغاثة بأيّ شفيع ، والدّفاع عن النّفس بأيّ كلام عن الإنسان لأنّه يوم الفصل ، إلّا إذا شملته رحمة إلهيّة ؛ رحمانيّة واسعة فأذن للشّفيع بالشّفاعة وللمذنب بالتّكلّم أمام اللّه تعالى .
الخامس - يعتبر إذن اللّه في الأمور - سواء كان الأمر تكوينيّا أم تشريعيّا - رمزا للتّوحيد بكلّ معانيه وأنواعه ، وترجمانا لقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
الفاتحة : 5 ، فله الأمر والخلق وإليه ترجع الأمور جميعا .
السّادس - جاء « الإذن » في سياق الإنكار في آيتين :
1 -
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
يونس : 59
2 -
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
الشّورى : 21
يلاحظ : أنّ الإذن فيهما تشريعيّ في معنى الأمر والحكم الّذي هو حقّ للّه دون سواه ، وقد كان المشركون يحلّلون ويحرّمون أشياء افتراء على اللّه ، فأنكرها عليهم بأنّه لم يأذن لهم ، وأنّ من سنّ قانونا من دون إذن اللّه فهو مفتر على اللّه مشرك به .
السّابع - وجاء منه فعل مجهول في سياق الإثبات والنّفي في ثلاث آيات :
1 -
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
الحجّ : 39
2 -
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
النّحل : 84
3 -
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
المرسلات : 36
يلاحظ أوّلا : أنّ الإثبات في « 1 » راجع إلى حكم دينيّ هامّ ، هو جهاد الأعداء ، وهذا أوّل ما نزل في هذا الشّأن ، ولم يكن القتال مسموحا للمؤمنين من ذي قبل ، على الرّغم من رغبتهم إليه وحرصهم عليه ، فيبدأ التّشريع أوّلا بالإذن والرّخصة في استقبال الهجرة - لنزول سورة الحجّ ، كما يظهر من سياقها ، قبيل الهجرة أو في طريقها - تلبية لرجائهم ، بعد أن أدلى إليهم بالصّبر والانتظار في آيات مكّيّة . ثمّ اشتدّ الأمر شيئا فشيئا حتّى عدّ القعود عن الجهاد نفاقا وتمرّدا على الإسلام .
ولعلّ حذف الفاعل إشارة لوجود هذا الانتظار لهم من اللّه ، وأنّه حقّ له تعالى ، فلا حاجة إلى ذكره ، أو أنّ