مستغفرا لهم تطييبا لقلوبهم عمّا علّق بها من وصمة التّقصير بالاستيذان
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ
معلنا لهم تبّا ب
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
كلّ ذلك إيذان بتعهّدهم أمام النّبيّ ، وتفويض الأمر إلى مشيئته ، يأذن لمن يشاء ويمسك الإذن عمّن يشاء ، وهم في الحالتين راضون لا يجدون في أنفسهم حرجا ممّا شاء وقضى ، وهذا كلّه علامة اكتمال الإيمان واستقراره في قلوبهم .
المحور الثّالث ، بمعنى العلم والإعلام مجرّدا ومزيدا :
المجرّد :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
البقرة : 279
الإفعال :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ
الأنبياء : 109
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
فصّلت : 47
التّفعيل :
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
التّوبة : 3
قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
الأعراف : 44
ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ
يوسف : 70
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
الحجّ : 27
التّفعّل :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
إبراهيم : 7
يلاحظ أوّلا : أنّه في الجميع بمعنى الإعلان ، والإعلان إنّما يكون في الأمور المهمّة الخطيرة . مثل ما جاء في هذه الآيات إلّا أنّ هناك تفاوتا بين الصّيغ كما يأتي .
وثانيا : أنّه في الجميع يفيد معنى الإنذار والتّحذير والإعلام بالعقوبة صراحة أو إيماء حسب ما يأتي ، وهذا موافق تماما لما تقدّم في النّصوص ؛ أنّه كثيرا ما يتضمّن معنى التّحذير والإنذار .
وثالثا : في قوله
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ
اختلف أقوالهم :
اعلموا ، أطيعوا ، أقرّوا ، أخبروا ، استيقنوا ، كونوا على إذن من قولك : « على علم » ، أنصتوا ، كلّها على القراءة المشهورة ( فاذنوا ) .
وأمّا على قراءة ( فاذنوا ) من باب الإفعال ، وهي مرجوحة عند أبي عبيدة ، والطّبريّ زعما أنّ هذا تحذير ، ولا معنى لتوجيه الإنذار والتّحذير من آكلي الرّبا إلى اللّه ، ولبعضهم تأويله بقوله : أي أعلموا وأخبروا غيركم على حربكم إيّاهم .
وعندنا أنّ القراءتين بمعنى واحد ، وأنّ اللّه يعلن إكبارا لجرمهم وتهويلا لعقوبتهم : أي إذا لم ترجعوا عمّا أنتم عليه من أكل الرّبا فأنتم محاربون اللّه ، فأعلنوا حربا مع اللّه أو حربا من اللّه ورسوله معكم - وهو أبلغ تخويفا وأظهر سياقا - لأنّكم لستم مؤمنين بل موقفكم هذا موقف العدوّ المحارب . وقد قال قبله :
وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
البقرة : 278 ، ويؤيّده ما قيل :
من أنّ تنكير ( حرب ) لإفادة التّعظيم والتّهويل .
ورابعا : يؤيّد ما اخترناه في
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ
ما قيل