وقد ورد ذلك في بعض الرّوايات .
وهذا الجواب وإن كان بظاهره متميّزا من الوجه السّابق إلّا أنّه لا يستغني عن مسألة الإذن ، فهو في الحقيقة راجع إليه .
وقد يجاب بأنّ المراد بعدم التّكلّم والنّطق أنّهم لا ينطقون بحجّة ، وإنّما يتكلّمون بالإقرار بذنوبهم ، ولوم بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم الذّنوب على بعض ، وهذا كما يقول القائل لمن أكثر من الكلام ولا يشتمل على حجّة : ما تكلّمت بشيء ولا نطقت بشيء ، فسمّي من يتكلّم بما لا حجّة فيه ، غير متكلّم ؛ لأنّه لم يأت بحقّ الكلام الّذي كان من الواجب أن يشتمل على حجّة ، فكأنّه ليس بكلام . فنفي التّكلّم ناظر إلى عدّ الكلام الّذي لا جدوى فيه غير كلام ادّعاء .
وفيه : أنّه لو صحّ فإنّما يصحّ في مثل قوله :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ،
وأمّا مثل قوله :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
فلا يرجع إلى معنى محصّل .
وقد يجاب - كما نقله الآلوسيّ عن الغرر والدّرر للمرتضى - أنّ يوم القيامة يوم طويل ممتدّ ، فيجوز ، أن يمنعوا النّطق في بعضه ، ويؤذن لهم في بعض آخر منه .
وفيه أنّ الإشارة إلى يوم القيامة بطوله . وعلى قولهم يكون مثلا معنى قوله :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ،
هذا يوم لا ينطقون في بعضه ، وهو خلاف الظّاهر . ويرد نظير الإشكال على الوجه الثّاني الّذي أجيب فيه عن الإشكال باختلاف المواقف . فإنّ مرجع الوجهين - أعني الوجه الثّاني وهذا الوجه الرّابع - واحد ، وإنّما الفرق أنّ الوجه الثّاني يرفع التّنافي باختلاف الأمكنة ، وهذا الوجه يرفعه باختلاف الأزمنة ، كما أنّ الوجه الثّالث يرفعه باختلاف الكلام ، باشتماله على الجدوى وعدم اشتماله عليه .
وقد يجاب بما يظهر من قول بعضهم : إنّ الاستثناء في قوله :
لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
منقطع لا متّصل ، أي لا تتكلّم نفس باقتدار من عندها إلّا بإذنه تعالى ومحصّل الوجه أنّ الممنوع من التّكلّم يوم القيامة هو الّذي يكون بقدرة من الإنسان ، والجائز الواقع ما يكون بإذنه تعالى .
وفيه : أنّ تكلّم الإنسان كسائر أفعاله الاختياريّة ، ليس مستندا إلى قدرته محضا في وقت قطّ ، بل هو منسوب إلى قدرته ، مستمدّا من قدرة اللّه تعالى وإذنه .
فكلّما تكلّم الإنسان أو فعل فعلا بقدرته صدر عنه ذلك عن قدرته ، بمصاحبة من إذن اللّه تعالى .
ويعود معنى الاستثناء حينئذ إلى إلغاء جميع الأسباب العاملة في التّكلّم يوم القيامة إلّا واحدا منها ، هو إذنه تعالى . ويصير الاستثناء متّصلا ، ويرجع إلى ما قدّمناه من الوجه أوّلا ، أنّ التّكلّم الممنوع هو الاختياريّ منه على حدّ التّكلّم الدّنيويّ ، والجائز ما كان مستندا إلى السّبب الإلهيّ فقط وهو إذنه وإرادته ، والظّرف ظرف الاضطرار والإلجاء .
لكنّهم يرون أنّ سبب الإلجاء يوم القيامة مشاهدة أهواله ، فإنّ النّاس ملجؤون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار ، وقول الصّدق واتّباع الحقّ . وقد قدّمنا أنّ السّبب في ذلك كون الظّرف ظرف جزاء لا عمل ، وبروز الحقائق عند ذلك . ( 11 : 10 - 18 )
7 -
. . . وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا