تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 783

مساهمون:

ص٧٨٣
مع كون كليهما اختياريّين ، لأنّ الحسن والقبح إنّما يعنون بهما الأفعال الاختياريّة . على أنّ اللّه تعالى يقول :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
المرسلات : 35 ، 36 ، ومن المعلوم أنّ الإتيان بالأعذار ليس من الفعل القبيح في شيء . وقال آخرون : إنّ معنى الآية أنّه لا يتكلّم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة ووسيلة إلّا بإذنه . وهذا إرجاع للآية بحسب المدلول إلى مثل قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
طه : 109 ، وفيه أنّ ذلك تقييد من غير شاهد عليه ، ولو كان المراد ذلك لكان من حقّ الكلام أن يقال : لا تكلّم نفس عن نفس أو في نفس إلّا بإذنه ، كما وقع في نظيره من قوله :
لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً
الانفطار : 19 . وقد تحصّل ممّا قدّمناه وجه الجمع بين الآيات المثبتة للتّكلّم يوم القيامة والآيات النّافية له . توضيحه : أنّ الآيات المتعرّضة لمسألة التّكلّم فيه صنفان : صنف ينفي التّكلّم أو يثبته لأفراد النّاس من غير استثناء ، كقوله :
لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
الرّحمن : 39 ، وقوله :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
النّحل : 111 . وصنف ينفي الكلام على أيّ نعت كان من صدق أو كذب ، كقوله :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ،
وقوله :
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
الشّعراء : 101 . والصّنف الأوّل يجمع بين طرفيه بمثل قوله تعالى :
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ .
والصّنف الثّاني يرتفع التّنافي بين طرفيه بالآية المبحوث عنها :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
لكن بالبناء على ما تقدّم توضيحه ، في معنى إناطة التّكلّم بإذنه حتّى يفيد أنّهم ملجؤون في ما تكلّموا به ، مضطرّون إلى ما يأذن اللّه سبحانه فيه ، ليس لهم أن يتكلّموا بما يختارون ويريدون كما كان لهم ذلك في الدّنيا ، ليكون ذلك ممّا يختصّ بيوم القيامة من الوصف . وبذلك يظهر وجه القصور فيما ذكره صاحب « المنار » في تفسيره ؛ حيث قال في تفسير الآية : « ونفي الكلام في ذلك اليوم إلّا بإذنه تعالى يفسّر لنا الجمع بين الآيات النّافية له مطلقا والمثبتة له مطلقا » « 1 » انتهى . وقد ذكر قبله آيات فيها ، مثل قوله :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ،
وقوله :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ
يس : 65 . وذلك أنّه ، أوّلا : لم يفرّق بين الصّنفين من الآيات ، فأوهم ذلك أنّ نفي الكلام ( إلّا بإذنه ) في الآية المبحوث عنها كاف في رفع التّنافي بين الآيات مطلقا ، وليس كذلك . وثانيا : لم يبيّن معنى كون الكلام بإذنه تعالى ، فتوجّه إليه إشكال تخصيص يوم القيامة في الآية بما لا يختصّ به . وقد يجاب عن إشكال التّنافي بوجه آخر ، وهو أنّ يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف ، ولم يؤذن لهم في الكلام في بعضها ،
هامش
( 1 ) المنار 10 : 158 .