يبصرون ويسمعون إلّا أنّهم لا يقبلون ، ولا يفكّرون فيما يسمعون ، ولا يتأمّلون ، فهم بمنزلة الصّمّ . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وقال بعضهم : إنّ ذلك اليوم يوم طويل ، له مواضع ومواطن ومواقف ، في بعضها يمنعون من الكلام ، وفي بعضها يطلق لهم ذلك بدلالة قوله :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
وكلاهما حسن ، والأوّل أحسن .
( 6 : 65 )
نحوه الطّبرسيّ ( 3 : 193 ) ، والفخر الرّازيّ ( 18 :
60 ) ، والزّمخشريّ ( 2 : 293 ) .
الفخر الرّازيّ : فيه حذف ، والتّقدير : لا تكلّم نفس فيه إلّا بإذن اللّه تعالى . ( 18 : 60 )
الآلوسيّ : أي إلّا بإذن اللّه تعالى شأنه وعزّ سلطانه في التّكلّم ، كقوله سبحانه :
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
النّبأ : 38 ، وهذا في موقف من مواقف ذلك اليوم ، وقوله تبارك وتعالى :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
المرسلات : 35 ، 36 ، في موقف آخر من مواقفه ، كما أنّ قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
النّحل : 111 ، في آخر منها ، وروي هذا عن الحسن .
وقد ذكر غير واحد أنّ المأذون فيه الأجوبة الحقّة ، والممنوع منه الأعذار الباطلة . نعم قد يؤذن فيها أيضا لإظهار بطلانها ، كما في قول الكفرة :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
الأنعام : 23 ، ونظائره .
والقول بأنّ هذا ليس من قبيل الأعذار ، وإنّما هو إسناد الذّنب إلى كبرائهم ، وأنّهم أضلّوهم ، ليس بشيء كما لا يخفى .
وفي « الدّرر والغرر » للسّيّد المرتضى : أنّ بين قوله سبحانه :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
وقوله سبحانه :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ،
وكذا قوله جلّ وعلا :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
الصّافّات : 27 ، اختلافا بحسب الظّاهر .
وأجاب قوم من المفسّرين عن ذلك بأنّ يوم القيامة يوم طويل ممتدّ ، فيجوز أن يمنعوا النّطق في بعضه ، ويؤذن لهم في بعض آخر منه .
ويضعّف هذا الجواب أنّ الإشارة إلى يوم القيامة بطوله ، فكيف يجوز أن تكون الآيات فيه مختلفة ؟ وعلى ما ذكروه يكون معنى
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ،
هذا يوم لا ينطقون في بعضه ، وهو خلاف الظّاهر .
والجواب السّديد عن ذلك أن يقال : إنّما أريد نفي النّطق المسموع المقبول الّذي ينتفعون به ، ويكون لهم في مثله إقامة حجّة وخلاص ، لا نفي النّطق مطلقا ؛ بحيث يعمّ ما ليس له هذه الحالة . ويجري هذا المجرى قولهم :
خرس فلان عن حجّته ، وحضرنا فلانا يناظر فلانا فلم نره قال شيئا . وإن كان الّذي وصف بالخرس والّذي نفي عنه القول قد تكلّم بكلام كثير ، إلّا أنّه من حيث لم يكن فيه حجّة ولم يتضمّن منفعة ، جاز إطلاق ما حكيناه عليه . [ ثمّ استشهد بشعر ] وعلى هذا فلا اختلاف ، لأنّ التّساؤل والتّلاؤم مثلا لا حجّة فيه .
وأمّا قوله سبحانه :
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ،
فقد قيل فيه : إنّهم غير مأمورين بالاعتذار فكيف