والفاء إنّما دخلت في قوله :
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
لأنّ خبر ( ما ) الّتي بمعنى الّذي يشبه جواب الجزاء ، لأنّه معلّق بالفعل في الصّلة كتعليقه بالفعل في الشّرط ، كقولك :
الّذي قام فمن أجل أنّه كريم ، أي لأجل قيامه صحّ أنّه كريم ، ومن أجل كرمه قام .
وقد قيل : إنّ ( ما ) هي بمعنى الجزاء ، ولا يصحّ هاهنا ، لأنّ الفعل بمعنى المضيّ . ( 3 : 41 )
مثله الطّبرسيّ . ( 1 : 533 )
الزّمخشريّ : أي بتخليته ، استعار « الإذن » لتخليته الكفّار ، وأنّه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأنّ الآذن مخلّ بين المأذون له ومراده . ( 1 : 477 )
الفخر الرّازيّ : في قوله :
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
وجوه :
الأوّل : أنّ إذن اللّه عبارة عن التّخلية وترك المدافعة ، استعار « الإذن » لتخلية الكفّار ، فإنّه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأنّ الإذن في الشّيء لا يدفع المأذون عن مراده ، فلمّا كان ترك المدافعة من لوازم الإذن ، أطلق لفظ الإذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز .
الوجه الثّاني :
فَبِإِذْنِ اللَّهِ ،
أي بعلمه ، كقوله :
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ
التّوبة : 3 ، أي إعلام ، وكقوله :
آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
فصلّت : 47 ، وقوله :
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ
البقرة : 279 ، وكلّ ذلك بمعنى العلم . [ و ] طعن الواحديّ « 1 » فيه ، فقال : « الآية تسلية للمؤمنين ممّا أصابهم » ، ولا تقع التّسلية إلّا إذا كان واقعا بعلمه ، لأنّ علمه عامّ في جميع المعلومات ، بدليل قوله تعالى :
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
فاطر :
11 .
الوجه الثّالث : أنّ المراد من « الإذن » الأمر ، بدليل قوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
آل عمران : 152 ، والمعنى أنّه تعالى لمّا أمر بالمحاربة ، ثمّ صارت تلك المحاربة مؤدّية إلى ذلك الانهزام ، صحّ على سبيل المجاز أن يقال :
حصل ذلك بأمره .
الوجه الرّابع : وهو المنقول عن ابن عبّاس ، أنّ المراد من « الإذن » قضاء اللّه بذلك وحكمه به . وهذا أولى ، لأنّ الآية تسلية للمؤمنين ممّا أصابهم ، والتّسلية إنّما تحصل إذا قيل : إنّ ذلك وقع بقضاء اللّه وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى اللّه . ( 9 : 83 )
أبو حيّان : بمرأى ومسمع أو بقضائه وقدره .
( 3 : 108 )
الكاشانيّ : فهو كائن بقضائه تخلية الكفّار .
( 1 : 367 )
البروسويّ : أي فهو كائن بقضائه . وتخليته الكفّار سمّاها إذنا ، لأنّها من لوازمه . ( 2 : 122 )
الآلوسيّ : أي بإرادته ، وقيل : بتخليته . و ( ما ) اسم موصول بمعنى « الّذي » في محلّ رفع بالابتداء ، وجملة ( أصابكم ) صلته و
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
خبره .
والمراد بإذن اللّه يكون ويحصل ، ودخول الفاء لتضمّن معنى الشّرط ، ووجه السّببيّة ليس بظاهر ؛ إذ الإصابة ليست سببا للإرادة ولا للتّخلية بل الأمر بالعكس ، فهو من قبيل
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
النّحل : 53 ، أي ذلك سبب للإخبار بكونه من اللّه ، لأنّ قيد الأوامر قد يكون للمطلوب وقد يكون للطّالب ،
هامش
( 1 ) كذا في المصدر .