تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 763

مساهمون:

ص٧٦٣
102 ، أي بتخليته ، فإنّه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى ما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن اللّه ؛ بتخلّي اللّه بين القاتل والمقتول . ولكنّه تعالى يحفظ نبيّه ، ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا ، ليتمّ على يديه بلاغ ما أرسله به ، ولا يخلّي بين أحد وبين قتله حتّى ينتهي إلى الأجل الّذي كتبه اللّه له ، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أنّ محمّدا قد قتل . الرّابع : أن يكون « الإذن » بمعنى العلم ، ومعناه أنّ نفسا لن تموت إلّا في الوقت الّذي علم اللّه موتها فيه ، وإذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
الأعراف : 34 . الخامس : [ وهو قول ابن عبّاس وقد سبق ذكره ] ( 9 : 23 ) 6 -
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ .
آل عمران : 166 ابن عبّاس : المراد من « الإذن » قضاء اللّه بذلك وحكمه به . ( الفخر الرّازيّ 9 : 84 ) الطّبريّ : يعني بقضائه وقدره فيكم . ( 4 : 167 ) الزّجّاج : « الإذن » هنا : العلم ، وعبّر عنه به ، لأنّه من مقتضياته . ( أبو حيّان 3 : 108 ) القفّال : أي فبتخليته بينكم وبينهم ، لا أنّه أراد ذلك . ( القرطبيّ 4 : 265 ) الطّوسيّ : قيل في معناه قولان : أحدهما : بعلم اللّه ، ومنه قوله :
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ
البقرة : 279 ، معناه اعلموا . ومنه قوله :
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ
التّوبة : 3 ، أي إعلام ، ومنه :
آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
فصّلت : 47 ، يعني أعلمناك . الثّاني : أنّه بتخلية اللّه الّتي تقوم مقام الإطلاق في الفعل برفع الموانع ، والتّمكين من الفعل الّذي يصحّ معه التّكليف . ولا يجوز أن يكون المراد به بأمر اللّه ، لأنّه خلاف الإجماع ، لأنّ أحدا لا يقول : إنّ اللّه يأمر المشركين بقتل المؤمنين ، ولا أنّه يأمر بشيء من القبائح ، ولأنّ الأمر بالقبيح قبيح لا يجوز أن يفعله اللّه تعالى . ويمكن أن يحمل مع تسليم أنّه بأمر اللّه ، بأن يكون ذلك مصروفا إلى المنهزمين المعذورين بعد إخلال من أخلّ بالشّعب ، وضعفهم عن مقاومة عدوّهم ، وإن حمل على الجميع أمكن أن يكون ذلك بعد تفرّقهم وتبدّد شملهم وانفساد نظامهم ، لأنّ عند ذلك أذن اللّه في الرّجوع ، وألّا يخاطروا بنفوسهم . [ إلى أن قال : ] فإن قيل : هل يجوز أن يقول القائل : المعاصي تقع بإذن اللّه ، كما قال :
ما أَصابَكُمْ
من إيقاع المشركين بكم‌باذن الله ؟ قلنا : لا يجوز ذلك ، لأنّ اللّه تعالى إنّما خاطبهم بذلك على وجه التّسلية للمؤمنين ، فدلّ ذلك على أنّ « الإذن » المراد به التّمكين ، ليتميّزوا بظهور الطّاعة منهم . وليس كذلك قولهم : المعاصي بإذن اللّه ، لأنّه لمّا عري من تلك القرينة صار بمعنى إباحة اللّه ، واللّه تعالى لا يبيح المعاصي ، لأنّها قبيحة ، ولأنّ إباحتها تخرجها من معنى المعصية .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 763 | مجمع البحوث الاسلامية