ومقامكم . ( 4 : 368 )
الفخر الرّازيّ : لمّا بيّن من حال النّبيّ أنّه داع إلى اللّه ، بقوله :
وَداعِياً إِلَى اللَّهِ
الأحزاب : 46 ، قال هاهنا : لا تدخلوا إلّا إذا دعيتم ، يعني كما أنّكم ما دخلتم الدّين إلّا بدعائه ، فكذلك لا تدخلوا عليه إلّا بعد دعائه .
وقوله :
غَيْرَ ناظِرِينَ
منصوب على الحال ، والعامل فيه على ما قاله الزّمخشريّ ( لا تدخلوا ) ، قال : وتقديره :
لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا مأذونين غير ناظرين .
وفي الآية مسائل :
الأولى : قوله :
إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ
إمّا أن يكون فيه تقديم وتأخير ، تقديره : ولا تدخلوا إلى طعام إلّا أن يؤذن لكم ، فلا يكون منعا من الدّخول في غير وقت الطّعام بغير الإذن . وإمّا أن لا يكون فيه تقديم وتأخير ، فيكون معناه : ولا تدخلوا إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام ، فيكون الإذن مشروطا بكونه إلى الطّعام ، فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدّخول ، فلو أذن لواحد في الدّخول لاستماع كلام لا لأكل طعام ، لا يجوز .
نقول : المراد هو الثّاني ليعمّ النّهي عن الدّخول .
وأمّا قوله : فلا يجوز إلّا بالإذن الّذي إلى طعام ، نقول :
قال الزّمخشريّ : الخطاب مع قوم كانوا يجيئون حين الطّعام ويدخلون من غير إذن ، فمنعوا من الدّخول في وقته بغير إذن .
والأولى أن يقال : المراد هو الثّاني ، لأنّ التّقديم والتّأخير خلاف الأصل ، وقوله :
إِلى طَعامٍ
من باب التّخصيص بالذّكر ، فلا يدلّ على نفي ما عداه ، لا سيّما إذا علم أنّ غيره مثله ، فإنّ من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه ، فإنّ غير الطّعام ممكن وجوده مع الطّعام ، فإنّ من الجائز أن يتكلّم معه وقتما يدعوه إلى طعام ويستقضيه في حوائجه ، ويعلّمه ممّا عنده من العلوم مع زيادة الإطعام ، فإذا رضي بالكلّ فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل ، فيصير من باب
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
الإسراء : 23 .
وقوله :
( غَيْرَ ناظِرِينَ )
يعني أنتم لا تنتظروا وقت الطّعام فإنّه ربّما لا يتهيّأ . ( 25 : 224 )
القرطبيّ : هذه الآية تضمّنت قصّتين :
إحداهما : الأدب في أمر الطّعام والجلوس .
والثّانية : أمر الحجاب . ( 14 : 223 )
أبو حيّان : قال الزّمخشريّ :
( إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ )
في معنى الظّرف ، تقديره : وقت أن يؤذن لكم ، و
( غَيْرَ ناظِرِينَ )
حال من
( لا تَدْخُلُوا )
أوقع الاستثناء على الوقت والحال معا ، كأنّه قيل : لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا وقت الإذن ، ولا تدخلوها إلّا غير ناظرين إناه ، انتهى .
فقوله :
إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ
في معنى الظّرف ، وتقديره :
وقت أن يؤذن لكم . وأنّه أوقع الاستثناء على الوقت ، فليس بصحيح . وقد نصّوا على أنّ « أن » المصدريّة لا تكون في معنى الظّرف ، تقول : أجيئك صياح الدّيك وقدوم الحاجّ ، ولا يجوز أجيئك أن يصيح الدّيك ولا أن يقدم الحاجّ .
وأمّا أنّ الاستثناء وقع على الوقت والحال معا فلا يجوز على مذهب الجمهور ، ولا يقع بعد « إلّا » في الاستثناء إلّا المستثنى أو المستثنى منه ، أو صفة المستثنى