النّيسابوريّ : بيّن أنّ ذلك التّخلّف من بعضهم كان بإذن الرّسول ، ولهذا توجّه عليه العتاب بقوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
فإنّ العفو يستدعي سابقة الذّنب ، وبقوله :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
فإنّه استفهام في معنى الإنكار ، وبيان لما كنّى عنه بالعفو .
قال قتادة ، وعمرو بن ميمون : شيئان فعلهما الرّسول لم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين ، وأخذه الفداء من الأسارى ؛ فعاتبه اللّه بطريق الملاطفة كما تسمعون .
والّذي عليه المحقّقون أنّه محمول على ترك الأولى ، وقوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
إنّما جاء على عادة العرب في التّعظيم والتّوقير ، فيقدّمون أمثال ذلك بين يدي الكلام ، يقولون : عفا اللّه عنك ما صنعت في أمري ؟ رضي اللّه عنك ما جوابك عن كلامي ؟ وعافاك اللّه ألا عرفت حقّي ؟ .
وبعد حصول العفو من اللّه تعالى يستحيل أن يكون قولهم :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
واردا على سبيل الذّمّ والإنكار ، بل يحمل على ترك الأكمل والأولى ، لا سيّما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلّق بالحروب ومصالح الدّنيا .
قال كثير من العلماء : في الآية دلالة على جواز الاجتهاد ، لأنّه عليه السّلام أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من اللّه في ذلك إذن وإلّا لم يعاتب ، أو منع وإلّا كان عاصيا بل كافرا ، لقوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
المائدة : 44 ، ولا ريب أنّه لا يكون بمجرّد التّشهّي فيكون بالاجتهاد ، ثمّ إنّه لم يمنع من الاجتهاد مطلقا ، وإنّما منع إلى غاية هي قوله :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
التّوبة : 43 .
ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التّبيّن هو التّبيّن بطريق الوحي ، وإلّا كان ترك ذلك كبيرة ، فتعيّن أن يحمل التّبيّن على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعا في الاجتهاد لا في النّصّ ، ويدخل تحت قوله : « ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد » .
وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة ، وترك الاغترار بظواهر الأمور .
قال قتادة : عاتبه اللّه كما تسمعون ، ثمّ رخّص له في سورة النّور في قوله :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
النّور : 62 ، [ ونقل قول أبي مسلم ثمّ قال : ]
وقال القاضي : هذا بعيد ، لأنّ سياق الآية يدلّ على أنّ الكلام في القاعدين وبيان حالهم . ( 10 : 95 )
أبو حيّان : قال بعضهم : ( ائذن لي ولا تفتنّي ) التّوبة : 49 .
وقال بعضهم : ائذن لنا في الإقامة ، فأذن لهم استبقاء منه عليهم ، وأخذا بالأسهل من الأمور وتوكّلا على اللّه .
[ نقل قول نفطويه ، ثمّ قال : ]
ووافقه عليه قوم فقالوا : ذكر العفو هنا لم يكن عن تقدّم ذنب ، وإنّما هو استفتاح كلام جرت عادة العربان تخاطب بمثله لمن تعظّمه وترفع من قدره ، يقصدون بذلك الدّعاء له ، فيقولون : أصلح اللّه الأمير كان كذا وكذا ، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر ، ومعناه الدّعاء .
و ( لم ) و ( لهم ) متعلّقان بأذنت لكنّه اختلف مدلول