أن يفعل وأن لا يفعل حتّى ينزل عليه الوحي ، كما قال :
« لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة » لأنّه كان له أن يفعل وأن لا يفعل .
وقد قال اللّه تعالى :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ
الأحزاب : 51 ، لأنّه كان له أن يفعل ما يشاء ممّا لم ينزل عليه فيه وحي .
واستأذنه المخلّفون في التّخلّف واعتذروا . اختار أيسر الأمرين تكرّما وتفضّلا منه صلّى اللّه عليه وسلّم فأبان اللّه تعالى أنّه لو لم يأذن لهم لأقاموا للنّفاق الّذي في قلوبهم ، وأنّهم كاذبون في إظهار الطّاعة والمشاورة ، فعفا اللّه عنك . عنده افتتاح كلام ، أعلمه اللّه به أنّه لا حرج عليه فيما فعله من الإذن ، وليس هو عفوا عن ذنب ، إنّما هو أنّه تعالى أعلمه أنّه لا يلزمه ترك الإذن لهم ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « عفا اللّه لكم عن صدقة الخيل والرّقيق وما وجبتا قطّ » ومعناه ترك أن يلزمكم ذلك ، انتهى . ( أبو حيّان 5 : 47 )
الطّوسيّ : قوله :
لِمَ أَذِنْتَ
فالإذن رفع التّبعة .
عاتب اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله لم أذن لقوم من المتأخّرين عن الخروج معه إلى تبوك ، وإن كان له إذنهم ، لكن كان الأولى أن لا يأذن . ( 5 : 264 )
القشيريّ : في الإذن قولان :
الأوّل :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
في الخروج معك ، وفي خروجهم بلا عدة ونيّة صادقة فساد .
الثّاني :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
في القعود لمّا اعتلّوا بأعذار ، وهذا عتاب تلطّف . ( القرطبيّ 8 : 154 )
أبو البقاء :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ
متعلّق بمحذوف دلّ عليه الكلام ، تقديره : هلّا أخّرتهم إلى أن يتبيّن أوليتبيّن . وقوله :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
يدلّ على المحذوف ، ولا يجوز أن تتعلّق ( حتّى ) ب ( اذنت ) ، لأنّ ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية ، أو لأجل التّبيين وهذا لا يعاتب عليه . ( أبو حيّان 5 : 47 )
الزّمخشريّ :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
بيان لما كنّى عنه بالعفو ، ومعناه ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم ، وهلّا استأنيت بالإذن ؟
( 2 : 192 )
ابن عطيّة : هذه الآية في صنف مبالغ في النّفاق ، واستأذنوا دون اعتذار ، منهم : عبد اللّه بن أبيّ ، والجدّ بن قيس ، ورفاعة بن التّابوت ، ومن اتّبعهم .
( أبو حيّان 5 : 47 )
الطّبرسيّ : [ قال بعد نقل قول قتادة : ]
هل كان هذا الإذن قبيحا أم لا ؟
قال الجبّائيّ : كان قبيحا ووقع صغيرا ، لأنّه لا يقال في المباح : لم فعلته ؟
وهذا غير صحيح ، لأنّه يجوز أن يقال فيما غيره أفضل منه : لم فعلته ؟ كما يقول القائل لغيره إذا رآه يعاتب أخا : لم عاتبته وكلّمته بما يشقّ عليه ؟ وإن كان يجوز له معاتبته بما يشقّ عليه . وكيف يكون إذنه لهم قبيحا ، وقد قال سبحانه في موضع آخر :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
النّور :
62 . ( 3 : 33 )
الفخر الرّازيّ : [ له بحث مستوفى لخّصه من بعده . ]
( 16 : 75 - 77 )