تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 726

مساهمون:

ص٧٢٦
في كلّ مواضعه في حالة النّصب والجزم دون الرّفع . وثانيا : أنّ الأداء في الأربعة الأولى تعلّق بالأمانة لفظا وفي الباقي معنى ، أمّا في آية الدّخان فقبلها :
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
الدّخان : 17 ، ثمّ قال :
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ
الدّخان : 18 ، فكأنّ بني إسرائيل - وهم المعنيّون بعباد اللّه - كانوا أمانات اللّه عند قوم فرعون ، فجاءهم رسول كريم - وهو موسى عليه السّلام - ليستأدي الأمانات ، فطلب منهم أن يؤدّوها إليه . ويلائم هذا السّياق تمام الملائمة قوله :
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
أي إنّه مؤتمن على الأمانة حقيق بأخذها . وهذا المعنى أقرب إلى الصّواب وأمسّ بالسّياق من كلّ ما قالوه في معنى ( ادّوا ) ، فلاحظ النّصوص . وأمّا آية البقرة فموردها حقّ القصاص والعفو عنه ، فينتقل إلى حقّ الدّية ، فهي أمانة في ذمّة القاتل ، فلوليّ الدّم أن يتبعه ، أي يرجع إليه بالمعروف ، وللقاتل أن يؤدّي الدّية إليه بإحسان كردّ أمانة تامّة . والجمع بين العفو والأخوّة والمعروف والإحسان يجعل الجوّ عاطفيّا يثير المحبّة والأخوّة بينهما ، بعد أن اشتدّت العداوة والبغضاء بينهما بارتكاب القتل ، وقد بلغ هذا الجوّ العاطفيّ أوجه في قوله :
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
البقرة : 178 . وثالثا : وبذلك جاز لنا إطلاق القول بأنّ مادّة « الأداء » لم تستعمل في القرآن إلّا في الأمانة كما أنّها لم تأت إلّا من باب التّفعيل ، فالأداء مصدر له مثل التّأدية ، وهذا ما يناسب تلك القوّة الّتي تكمن في الأمانة . ورابعا : إذا لاحظنا وجود عنصر القوّة في هذه المادّة - كما مرّ في الأصول اللّغويّة - فأداء الأمانة لا ينفكّ عنها ، فإنّه لا يقع إلّا عن قوّة العزم ، كما لا يحصل إلّا باستيثاق من وصول الحقّ إلى صاحبه ، فالأمانات مواثيق اللّه عند أهلها ، تؤخذ بقوّة وتؤدّى بقوّة ، لاحظ « أم ن » . وخامسا : سياق الآيات في مثل قوله :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
البقرة : 283 ، وغيرها ، دعم الصّلة بين الأمانة والائتمان والأداء .