الكلام .
ألا ترى أنّه لو قال قائل : إن خفت من عدوّك أن تصلّي قائما فهو راجل أو راكب ، لبطل المعنى المراد بالكلام ؛ وذلك أنّ تأويل الكلام : فإن خفتم أن تصلّوا قياما من عدوّكم ، فصلّوا رجالا أو ركبانا ، ولذلك نصبه إجراء على ما قبله من الكلام ، كما تقول في نحوه من الكلام : إن لبست ثيابا فالبياض ، فتنصبه لأنّك تريد : إن لبست ثيابا فالبس البياض ، ولست تريد الخبر عن أنّ جميع ما يلبس من الثّياب فهو البياض .
ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت : إن لبست ثيابا فالبياض رفعا ؛ إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللّابس ، أنّ كلّ ما يلبس من الثّياب فبياض ، لأنّك تريد حينئذ : إن لبست ثيابا فهي بياض .
فإن قال : فهل يجوز النّصب في قوله : ( فاخوانكم ) ؟
قيل : جائز في العربيّة . فأمّا في القراءة فإنّما منعناه لإجماع القرّاء على رفعه . وأمّا في العربية فإنّما أجزناه لأنّه يحسن معه تكرير ما يحمل في الّذي قبله من الفعل فيهما : وإن تخالطوهم فإخوانكم تخالطون ، فيكون ذلك جائزا في كلام العرب . ( 2 : 373 )
نحوه ملخّصا الطّوسيّ ( 2 : 215 ) ، والطّبرسيّ ( 1 :
351 ) .
أبو حيّان : قيل : وجعلهم [ اليتامى ] إخوانا .
لوجهين : أحدهما أخوّة الدّين ، والثّاني لانتفاعهم بهم إمّا في الثّواب من اللّه تعالى وإمّا بما يأخذونه من أجرة عملهم في أموالهم ، وكلّ من نفعك فهو أخوك .
وقال الباقر [ عليه السّلام ] لشخص : رأيتك في قوم لم أعرفهم ، فقال : هم إخواني ، فقال : أفيهم من إذا احتجت أدخلت يدك في كمّه فأخذت منه من غير استئذان ؟
قال : لا ، قال : إذن لستم بإخوان .
قيل : وفي قوله : ( فاخوانكم ) دليل على أنّ أطفال المؤمنين مؤمنون في الأحكام ، لتسمية اللّه تعالى إيّاهم إخوانا لنا . ( 2 : 162 )
أبو السّعود : أي فهم إخوانكم ، أي في الدّين الّذي هو أقوى من العلاقة النّسبيّة ، ومن حقوق الأخوّة ، ومواجبها المخالطة بالإصلاح والنّفع . ( 1 : 168 )
مثله البروسويّ . ( 1 : 343 )
الطّباطبائيّ :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
إشارة إلى المساواة المجعولة بين المؤمنين جميعا بإلغاء جميع الصّفات المميّزة الّتي هي المصادر لبروز أنواع الفساد بين النّاس في اجتماعهم ، من الاستعباد والاستضعاف والاستذلال والاستكبار وأنواع البغي والظّلم ، وبذلك يحصل التّوازن بين أثقال الاجتماع ، والمعادلة بين اليتيم الضّعيف والوليّ القويّ ، وبين الغنيّ المثري والفقير المعدم ، وكذا كلّ ناقص وتامّ ، وقد قال تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
الحجرات : 10 . ( 2 : 198 )
عبد الكريم الخطيب : أي وإن تضمّوهم إليكم وتتولّوا عنهم رعاية أمورهم فهم إخوانكم ، لهم مكان الأخوّة بينكم ، وما لهذه الأخوّة من حقوق . [ إلى أن قال ] :
وفي التّعبير عن اليتامى بقوله تعالى : ( فاخوانكم ) بدلا من : « فأولادكم » ، كما يقتضيه ظاهر الأمر ؛ إذ اليتيم لا يكون يتيما إلّا في حال صغره ، الأمر الّذي يجعله