فإنّ المفسّرين أرجعوا الضّمائر في ( منهم ) و ( بهم ) و ( يلحقوا ) إلى ( الامّيّن ) أي العرب ، وهذا يقتضي أن يكون ( آخرين ) من العرب أنفسهم ، مع أنّ الرّسول عليه السّلام قال - كما جاء في الرّوايات - : إنّهم الأعاجم أو خصوص الفرس ، وهم غير الأميّين العرب . والجمع بين الأمرين أن يكون ( آخرين ) بمعنى غير الأميّيّن ، وتكون ( من ) للبدليّة ، نحو
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
التّوبة : 38 ، أنظر المغني لابن هشام ( 1 : 320 ) .
والمعنى هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولا من العرب . . . وبعثه في ( آخرين ) غير العرب
( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ )
وسيلحقون بهم .
وهذه بشارة بأنّ دعوة الإسلام سوف تتجاوز جزيرة العرب إلى غيرها ممّا يليها ، كأرض فارس والرّوم ، وفي نفس الوقت إنذار للعرب بأنّهم إن لم يؤمنوا أو ارتدّوا بعد إيمانهم أو توانوا في الدّفاع عن هذا الدّين فسوف يأتي اللّه بدلا منهم بآخرين ليسوا أمثالهم . وهذا ما جاء بصراحة في آيتين :
1 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
المائدة : 54 .
2 -
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
محمّد : 38 .
ومن حسن الموافقة أنّه جاء بعد قوله :
( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ . . . )
مثل ما في ذيل آية المائدة ، وهو قوله :
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
الجمعة : 4 .
وهذا ينطبق على نفس الصّفات الّتي وردت في سورة المائدة ، وإيماء أيضا إلى أنّ ( آخرين ) سوف يكونون موصوفين بها .
الثّالث - وقد ورد ( آخر ) في القرآن « 28 » مرّة ، منها « 26 » مرّة معرّفا بالألف واللّام صفة لليوم ، ومرّة واحدة مضافا إلى ( دعويهم ) ، ومرّة واحدة معطوفا على الخبر ومعرّفا بالألف واللّام وصفا للّه تعالى .
مثال صفة اليوم :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
البقرة : 126 .
مثال الإضافة :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 .
مثال اختصاصه باللّه :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
الحديد : 3 .
وللمفسّرين فيه أقوال وآراء سبق ذكرها في النّصوص ، والبحث عنها تفصيلا خارج عن طور الكتاب .
الرّابع - ومؤنّث الآخر هي الآخرة الّتي استعملت في القرآن « 115 » مرّة في وجوه :
1 - مجرّدة عن الإضافة « 86 » مرّة ، مثل :
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
البقرة : 4 .
2 - مضافا إليها ( دار ) أو موصوفة بها « 9 » مرّات مثل :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
النّحل : 30 ،
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ
الأعراف : 169 .