فنائها حقيقة أو نظرا إلى ذاتها مع قطع النّظر عن مبقيها ، فإنّ جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النّظر عن علّتها فهي فانية .
وفي هذا المقام معان أخر :
( هو الاوّل ) الّذي تبتدأ منه الأسباب ، و ( الاخر ) الّذي تنتهي إليه المسبّبات ، أي إذا نظرت إلى سلسلة الموجودات المتكوّنة بعضها من بعض وجدت اللّه مبدأ تلك السّلسلة ومنتهاها ، تبتدئ منه سلسلة الأسباب ، وتنتهي إليه سلسلة المسبّبات .
وقال بعض الكمّل : ( هو الاوّل ) باعتبار بدء السّير نزولا ، و ( الاخر ) باعتبار ختم السّير عروجا .
( هو الاوّل ) في آخريّته ، و ( الاخر ) في عين أوّليّته .
ويقال : ( هو الاوّل ) خالق الأوّلين ، و ( الاخر ) خالق الآخرين .
وقال التّرمذيّ : ( هو الاوّل ) بالتّأليف و ( الاخر ) بالتّكليف . . . ، والأوّل بالإنعام والآخر بالإتمام .
قال بعض المحقّقين من أهل الأصول : هذا مبالغة في نفي التّشبيه ، لأنّ كلّ من كان أوّلا لا يكون آخرا ، وكلّ من كان ظاهرا لا يكون باطنا ، فأخبر أنّه الأوّل الآخر ، الظّاهر الباطن ، ليعلم أنّه لا يشبه شيئا من المخلوقات والمصنوعات .
وقال بعض المكاشفين : هو الأوّل إذ كان هو ولم تكن صور العالم ، كما قال عليه السّلام : « كان اللّه ولا شيء معه » فهو متقدّم عليها ، وهذا التّقدّم هو المراد بالأوّليّة ، وهو الآخر إذ كان عين صور العالم عند ظهورها ولها التّأخّر ، فهو باعتبار ظهوره بها له الآخريّة ، فالآخر عين الظّاهر والباطن عين الأوّل .
هذا باعتبار التّنزّل من الحقّ إلى الخلق . وأمّا باعتبار التّرقّي من الخلق إلى الحقّ فالآخر عين الباطن والظّاهر عين الأوّل . ( 9 : 346 )
الآلوسيّ : ( هو الاوّل ) السّابق على جميع الموجودات ، فهو سبحانه موجود قبل كلّ شيء حتّى الزّمان ، لأنّه جلّ وعلا الموجد والمحدث للموجودات ، و ( الاخر ) الباقي بعد فنائها حقيقة أو نظرا إلى ذاتها مع قطع النّظر عن مبقيها ، فإنّ جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النّظر عن علّتها فهي فانية .
ومن هنا قال ابن سينا : الممكن في حدّ ذاته ليس وهو من علّته أيس فلا ينافي هذا كون بعض الموجودات الممكنة لا تفنى ، كالجنّة والنّار ومن فيهما ، كما هو مقرّر مبيّن بالآيات والأحاديث ، لأنّ فناءها في حدّ ذاتها أمر لا ينفكّ عنها ، وقد يقال : فناء كلّ ممكن بالفعل ليس بمشاهد ، والّذي يدلّ عليه الدّليل إنّما هو إمكانه فالبعديّة في مثله بحسب التّصوّر والتّقدير . وقيل : ( هو الاوّل ) الّذي تبتدئ منه الأسباب ؛ إذ هو سبحانه مسبّبها ، ( والآخر ) الّذي تنتهي إلى المسبّبات . فالأوّليّة ذاتيّة ، والآخريّة بمعنى أنّه تعالى إليه المرجع والمصير ، بقطع النّظر عن البقاء الثّابت بالأدلّة .
وقيل : ( الأوّل ) خارجا ، لأنّه تعالى أوجد الأشياء ، فهو سبحانه متقدّم عليها في نفس الأمر الخارجيّ ، ( والآخر ) ذهنا وبحسب التّعلّق ، لأنّه عزّ شأنه يستدلّ عليه بالموجودات الدّالّة على الصّانع القديم ، كما قيل :
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 612
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٦١٢