وعدل عن أن يوصف الأيّام بوصف الواحدة المؤنّث ، فكان يكون « من أيّام أخرى » ، وإن كان جائزا فصيحا كالوصف بأخر ، لأنّه كان يلبس أن يكون صفة لقوله : ( فعدّة ) ، فلا يدرى أهو وصف ل ( عدّة ) أم ل ( أيّام ) ؟ وذلك لخفاء الإعراب لكونه مقصورا ، بخلاف ( اخر ) فإنّه نصّ في أنّه صفة ل ( أيّام ) لاختلاف إعرابه مع إعراب ( فعدّة ) . أفلا ينصرف للعلّة الّتي ذكرت في النّحو وهي جمع « أخرى » مقابله اخر . و « أخر » مقابل « أخريين » لا جمع « أخرى » ، لمعنى « آخرة » مقابلة « الآخر » المقابل ل « الأوّل » فإنّ « أخر » تأنيث « أخرى » لمعنى « آخرة » مصروفة .
وقد اختلفا حكما ومدلولا :
أمّا اختلاف الحكم ، فلأنّ تلك غير مصروفة .
وأمّا اختلاف المدلول فلأنّ مدلول « أخرى » الّتي جمعها « أخر » الّتي لا تنصرف مدلول « غير » ، ومدلول « أخرى » الّتي جمعها ينصرف مدلول « متأخّرة » وهي مقابلة « الأولى » ، قال تعالى :
وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ
الأعراف : 39 ، فهي بمعنى الآخرة ، كما قال تعالى :
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
الّيل : 13 .
و « أخر » الّذي مؤنّثه « أخرى » مفرده « آخر » الّتي لا تنصرف ، بمعنى « غير » ، لا يجوز أن يكون ما اتّصل به إلّا من جنس ما قبله ، تقول : مررت بك وبرجل آخر ، ولا يجوز : اشتريت هذا الفرس وحمارا آخر ؛ لأنّ الحمار ليس من جنس الفرس . ( 2 : 33 )
2 -
. . . مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . . .
آل عمران : 7
الطّبريّ : ( أخر ) فإنّها جمع أخرى . ثمّ اختلف أهل العربيّة في العلّة الّتي من أجلها لم يصرف ( أخر ) ، فقال بعضهم : لم يصرف ( أخر ) من أجل أنّها نعت ، واحدتها :
أخرى ، كما لم تصرف جمع وكتع ، لأنّهنّ نعوت .
وقال آخرون : إنّما لم تصرف « الأخر » لزيادة الياء الّتي في واحدتها ، وأنّ جمعها مبنيّ على واحدها في ترك الصّرف .
قالوا : وإنّما ترك صرف « أخرى » كما ترك صرف « حمراء وبيضاء » في النّكرة والمعرفة ، لزيادة المدّة فيها والهمزة بالواو « 1 » ، ثمّ افترق جمع حمراء وأخرى ، فبني جمع « أخرى » على واحدته ، فقيل : « فعل » أخر ، فترك صرفها كما ترك صرف أخرى ، وبني جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته فصرف ، فقيل : حمر وبيض ؛ فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصّرف ، ولاتّفاق حالتيهما في الواحدة اتّفقت حالتاهما فيها . ( 3 : 171 )
الطّوسيّ : ( اخر ) لا ينصرف ، لأنّه معدول عن الألف واللّام ، وهو صفة . وقال الكسائيّ : لأنّه صفة .
قال المبرّد : هذا غلط ، وقال : « لبد » صفة وكذلك « حطم » وهما منصرفان ، قال اللّه تعالى :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
البلد : 6 .
وحكي عن أبي عبيدة أنّه قال : لم يصرفوا ( أخر ) ، لأنّ واحده لا ينصرف في معرفة ولا نكرة .
هامش
( 1 ) وجاء في الهامش قوله : والهمزة بالواو : غير واضح ، ولعلّ أصله والهمزة بالواحد ، يريد الهمزة الأولى في « آخر » أصله : أأخر .