الطّوسيّ : قيل : جعل غفرانه جزاء عن ثوابه على جهاده في فتح مكة . وقيل في معناه أقوال :
أحدها : ( ما تقدّم ) من معاصيك قبل النّبوّة ( وما تاخّر ) منها .
الثّاني : ( ما تقدّم ) قبل الفتح ( وما تاخّر ) عنه .
الثّالث : ما قد وقع منك وما لم يقع على طريق الوعد ، بأنّه يغفره له إذا كان .
الرّابع : ( ما تقدّم ) من ذنب أبيك آدم ، ( وما تاخّر ) عنه .
وهذه الوجوه كلّها لا تجوز عندنا ، لأنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يجوز عليهم فعل شيء من القبيح لا قبل النّبوّة ولا بعدها ، لا صغيرها ولا كبيرها ، فلا يمكن حمل الآية على شيء ممّا قالوه ، ولا صرفها إلى آدم ، لأنّ الكلام فيه كالكلام في نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله .
ومن حمل الآية على الصّغائر الّتي تقع محبطة فقوله فاسد ، لأنّا قد بيّنّا أنّ شيئا من القبائح لا يجوز عليهم بحال . على أنّ الصّغائر تقع مكفّرة محبطة لا يثبت عقابها ، فكيف يمتنّ اللّه تعالى على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه يغفرها له ، وهو تعالى لو آخذه بها لكان ظالما . وإنّما يصحّ التّمدّح بما له المؤاخذة أو العفو عنه ، فإذا غفر استحقّ بذلك الشّكر .
وللآية وجهان من التّأويل :
أحدهما : ليغفر لك ( ما تقدّم ) من ذنب أمّتك ( وما تاخّر ) بشفاعتك ولمكانك . وأضاف الذّنب إلى النّبيّ وأراد به أمّته ، كما قال :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
يوسف : 82 ، يريد أهل القرية ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وذلك جائز لقيام الدّلالة عليه ، كما قال :
وَجاءَ رَبُّكَ
الفجر : 22 ، والمراد وجاء أمر ربّك .
الثّاني : أراد يغفر ما أذنبه قومك إليك من صدّهم لك عن الدّخول إلى مكّة في سنة الحديبيّة ، فأزال اللّه ذلك ، وستر عليك تلك الوصمة بما فتح عليك من مكّة ودخلتها في ما بعد ، ولذلك جعله جزاء على جهاده في الدّخول إلى مكّة . ( 9 : 313 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 5 : 110 )
الميبديّ : يذكر مثل ذلك على طريق التّأكيد ، كما يقال : أعطى من رآه ومن لم يره ، وضرب من لقيه ومن لم يلقه . ( 9 : 207 )
الزّمخشريّ : يريد جميع ما فرط منك . وقيل ( ما تقدّم ) من حديث مارية ( وما تاخّر ) من امرأة زيد .
( 3 : 541 )
الفخر الرّازيّ : ما معنى قوله : ( وما تاخّر ) ؟ نقول :
فيه وجوه :
أحدها : أنّه وعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بأنّه لا يذنب بعد النّبوّة .
ثانيها : ( ما تقدّم ) على الفتح ، ( وما تاخّر ) عن الفتح .
ثالثها : العموم ، يقال : اضرب من لقيت ومن لا تلقاه ، مع أنّ من لا يلقى لا يمكن ضربه ، إشارة إلى العموم .
رابعها : من قبل النّبوّة ومن بعدها ، وعلى هذا فما قبل النّبوّة بالعفو وما بعدها بالعصمة .
وفيه وجوه أخر ساقطة ، منها قول بعضهم :
( ما تقدّم ) من أمر مارية ( وما تاخّر ) من أمر زينب ، وهو أبعد الوجوه وأسقطها ؛ لعدم التئام الكلام . ( 28 : 78 )
القرطبيّ :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ