القصّة الرّؤيا ونحوها ، فإذا خلت قصّة من الرّؤيا أو ما شابهها من الأحداث والإرهاصات ، فهي عارية عن ركن من أركانها .
وهذه الرّؤيا في نفس الوقت منطبقة تماما على ما شاع عند أرباب السّلوك ، من لزوم نبوءة غيبيّة مبكّرة للسّالك المتعطّش الذي يرجى له الوصول إلى أعلى مراتب الكمال ، لتكشف له في بداية سلوكه مستقبله البعيد المشرق الّذي ينتظره ، لينقلب في سلوكه الملح الأجاج ماء فراتا سائغا ، وتتذلّل له العقبات الكؤود ، وتضاء له دياجير الظّلمات ، ليرى موضع قدمه ، حتّى يقطع الأشواط ويخطو الخطوات بقدم صدق مطمئنّ كالجبل الرّاسخ ، لا تحرّكه العواصف ، ولا تفرّق به السّبل عن سبيله ، وعن الصّراط المستقيم .
وهذه الإرهاصات تحدث كما لو التقى في طليعة سيره برجل صالح أو مرشد كامل ، يبشّره بما قدّر له من الازدهار في الكمال والازدياد في الأتباع وفي الجاه والمال ، مثل لقاء موسى شعيبا ، والتقاء النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله بالرّاهب ، ومثل ما قيل عن كثير من الشّيوخ الكمّل ، كنبوءة العطّار النّيسابوريّ حول مستقبل العارف الرّوميّ ، صاحب المثنوي ، وهو طفل لم يتجاوز العاشرة .
فيوسف نبّىء قبل كلّ شيء بالرّؤيا ، كما جاء في بدء القصّة :
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ .
يوسف : 4 ، ثمّ وفّق وألهم بحكايتها لأبيه النّبيّ الشّيخ المجرّب ، فبشّره بمستقبله النّيّر إيماء بلا تفصيل ، وتحذيرا ممّن يكيد له ، ليقف يوسف بنفسه على تأويله بعد أن ذاق مرارة السّلوك ، ولاقى ما لاقى من العذاب ، إذ قال لأبيه :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ
يوسف : 100 ، فآيات بدء القصّة حافلة بمثل هذه الأسرار ، على أنّ القصّة احتوت على رؤى أخرى ، لها دخل في تغذية القصّة ونموّها ، وما يؤول إليها أمرها .
حتّى أنّ يوسف عليه السّلام - وهو نبيّ - أعطي معجزة ، وأيّد بها في نبوّته من نفس تأويل الرّؤيا ، كما قال تعالى :
وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
يوسف : 21 .
ثمّ إنّ الرّؤيا في ذاتها عجيبة ، فالكواكب الأحد عشر جمعت مع الشّمس والقمر ساجدة كلّها ليوسف ، وهو طفل لم يبلغ الحلم ، في سنّ خاف عليه أبوه أن يأكله الذّئب ، فهذا السّياق وتلك العناصر كانت كافية نبوءة وإرهاصا للطّفل ، حتّى لو لم يصدر تأويلها على لسان الأب ، إلّا أنّ الرّؤيا لا يوجد فيها عنصر الخوف والعناء ، وكانت كلّها فأل حسن ، وهذا ما كشف عنه أبوه له ، إذ قال له :
يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ
يوسف : 5 ، منبّها له أنّ له في طريق الوصول إلى تلك المنزلة العليا - وهي سجود الشّمس والقمر والكواكب له - مخاطر وعقبات وصعاب وعناء ، كلّه من قبل إخوتك الّذين هم الكواكب الأحد عشر ، وأنّ الشّيطان هو الّذي سيبعثهم على إيذائه ، رغم أنّهم إخوانه . وأمّا سرّ اختصاص تركيب ( أحد عشر ) بهذه القصّة وهذه السّورة من دون أن يكرّر في القرآن ، فلم أهتدي إلى الآن إليه ، سوى ما أومأت إليه من قبل ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد .
الخامس - وجاء مضافا إلى ضمير الجمع الغائب سبع مرّات :