ج - الغالب استعمال « أحد » في النّفي ، ويجوز أن يكون العدول هنا عن الغالب رعاية للفواصل . ( 2 : 347 )
أبو رزق : ( أحد ) واحد لا شريك له ، منزّه عن مماثلة مخلوقاته . فهذه الوحدانيّة في الإسلام أتمّ وجوه الرّوحانيّة منها في وحدانيّة اليهود ، فهي لاهوت موسى أقلّ روحانيّة وأميل إلى المادّيّة ؛ إذ كان يسمّيها موسى بربّ الجنود والقائد الأعلى ، وتنسب التّوراة واليهود إلى هذه الوحدانيّة بعض أخلاق البشر ، ولم يجرّدوه منها ، هذا إلى أنّ إلههم لم يمنح الحقّ والعدل إلّا لهم فقط .
والوحدانيّة في لاهوت النّصارى فيها روحانيّة عظيمة ، لكن مازجتها حالة التّعدّد والوكلاء لها ، في الأرض .
( 1 : 28 )
شريعتيّ : قال بعضهم : إنّ بين « أحد وواحد » فرق في أصل المعنى ، فالأوّل يفهم منه الوحدة وعدم التّجزئة ، وليس الثّاني كذلك . وإن كان بينهما فروق جزئيّ في كيفيّة الاستعمال وموارده ، ولكنّنا لا نرى بينهما فرقا كبيرا لغة .
وبديهيّ أنّ معنى كلّ لفظ يختلف ، بحسب الاستعمال سواء كان لفظ « أحد » أو لفظ « واحد » أو أيّ لفظ آخر .
وألفاظ الأحد والواحد والوحيد ، تتفاوت معانيها في الفارسيّة ، فمثلا يقال : هذه شجرة وحيدة بين أشجار هذا البستان ، ويقال : هذه الشّجرة وحيدة في هذا البستان . . .
وكذلك هاتان الجملتان : 1 - أحمد الولد الوحيد لهذه الأسرة ، 2 - أحمد الوحيد بين أولاد هذه الأسرة .
فقد عرفتم أنّ هذه الألفاظ : الأحد والواحد والوحيد ، في إحدى الجملات بمعنى الممتاز الّذي لا نظير له ، وفي جملة أخرى بمعنى الوحيد الّذي لا شريك له .
وقد يستعمل في الفارسيّة وفي العربيّة لفظ المفرد في مقابل التّثنية والجمع ، وقد يطلق في مقابل المركّب .
وبديهيّ أنّ في الأوّل بمعنى الواحد ، وفي الثّاني بمعنى البسيط . فليس أنّ « أحدا » في اللّغة يدلّ على وحدة اللّه وعدم تركيبه وأنّه غير مجزّا ، وليس كما توهّم بعض أنّه لا يوصف ب « أحد » غير اللّه تعالى . وممّا يبعث على العجب أنّ بعض المفسّرين الكبار قالوا بذلك ، وقد فاتهم أنّ لفظ ( أحد ) قد أطلق على غير اللّه في آخر هذه السّورة . واستعمل أيضا لفظ « أحد ووحد » - الّذي هو أصل أحد فقلبت واوه ألفا - في الأشخاص غير اللّه تعالى في أشعار العرب .
أمّا وحدة اللّه وعدم تجزئته تعالى ، لها دليل عقليّ ، لا أنّها تفهم من لفظ أحد . [ ثمّ بيّن برهانا لتوحيده وعدم تجزئته وتركيبه تعالى إلى أن قال : ]
فعلى هذا أطلق لفظ « أحد » على اللّه تعالى ، بمعنى الوحدة والإله المطلق والحقيقيّ الّذي لا يقبل التّعدّد والتّكثّر بحال ، لا بالفعل ولا بالقوّة ولا بالإمكان .
قال عليّ عليه السّلام في نهج البلاغة : « واحد لا بعدد » ، يعني ليس وحدته تعالى الوحدة العدديّة ، لأنّ الواحد العدديّ ، يعني أكثر من نصف وأقلّ من اثنين . ومثل هذا المعنى لا ينبغي إطلاقه على اللّه تعالى .
ومعنى وحدته تعالى - كما قلنا - أنّه لا جزء له ولا شريك ولا نظير ، واللّه واحد في ذاته وأفعاله ، فهو واحد في الألوهيّة أيضا ، الّذي تحقّ له العبادة دون سواه .
وبهذا تبيّن أنّ ( اللّه أحد ) قد اشتمل لجميع الصّفات
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 459
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٥٩