وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
المائدة : 62
4 -
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ
المجادلة : 8
5 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
المجادلة : 9
يلاحظ أوّلا : أنّ ( الإثم والعدوان ) في « 1 و 2 » مقرونان بقتل النّفوس والإخراج من الدّيار . وفي « 4 و 5 » أضيف إلى ( الإثم والعدوان ) ، ( معصيت الرّسول ) أيضا ، وكلّ ذلك يحدّد مفهوم الإثم في ساحة المدينة - وهي دار التّشريع والتّقنين - بشكل واسع ، مبنيّا على تلك الأصول الإجماليّة الفطريّة الّتي سبق التّنبيه عليها والتّنويه بها في المكّيّة .
فالإثم في دار الهجرة والتّشريع عبارة عن العدوان بالحرب وغيره ، وقتل النّفوس وإخراجها من الدّيار والإغارة عليها ، ثمّ معصية الرّسول في كلّ ما أمر ونهى ، وهذا شامل لجميع الآثام .
وجدير بالذّكر أنّ آيات عصيان الرّسول ، أي محمّد صلّى اللّه عليه وآله كلّها سوى آية ( الجنّ ) مدنيّة ، وهذا يلائم ما سيأتي من أنّ آيات طاعة الرّسول رامية إلى منصب ولاية الأمر ، وقد استقامت له عليه السّلام في المدينة ، لاحظ « ط وع » و « ع ص ي » .
وثانيا : في « 2 » وقع التّقابل بين ( التّعاون على الإثم والعدوان ) ، وبين ( التّعاون على البرّ والتّقوى ) ، فالأوّل مرفوض والثّاني مطلوب . والمدينة دار الهجرة ، انعقدت فيها جماعة المؤمنين وفيها ظهرت أمّة الإسلام كأمّة ، والتّعاون لا ينفكّ عن الاجتماع ، ولا الاجتماع عن التّعاون . كما أنّ المدينة لا تخلو من المدنيّة بل هي أصلها ، وبين اللّفظين علاقة متينة لفظا ومعنى . فذكر التّعاون في الآية المدنيّة وقع في محلّه تماما ، وأمّا مكّة - حيث التّفرّق والابتعاد حتّى بين المسلمين أنفسهم لشدّة الضّيق والضّغط عليهم - فلا مجال فيها للتّعاون . ولم تذكر صيغة التّعاون في القرآن إلّا مرّتين في هذه الآية في صورة الأمر والنّهي ، إشعارا بأنّ الأمّة الإسلاميّة شعارها التّعاون نفيا وإثباتا ألا وهو الالتزام بالتّعاون على البرّ والتّقوى والاجتناب عن التّعاون على الإثم والعدوان .
وثالثا : جاء ( البرّ والتّقوى ) في نفس الآية بإزاء ( الإثم والعدوان ) . وهذا يلقي ضوء على مفهوم الإثم في القرآن ؛ فالإثم ضدّ البرّ ، والبرّ كلّ خير مطلوب واسع نفعه للنّاس . والإثم خلافه ، فهو كلّ شرّ مكروه ضارّ للنّاس . كما جاءت التّقوى مقابل العدوان ، وهما نقيضان تماما ؛ فالعدوان منشأ الطّغيان إن لم يكن نفسه ، والطّغيان إرخاء العنان لهوى النّفس ، والتّقوى إمساكها عن الهوى ، لاحظ « وق ي » و « ط غ ي » .
ثمّ إذا لاحظنا أنّ بين ( الإثم والعدوان ) من جانب ، وبين ( البرّ والتّقوى ) من جانب آخر علاقة وثيقة بالسّببيّة - باعتبار أنّ الإثم علّة للعدوان أو بالعكس ، وكذا البرّ والتّقوى - لعلمنا أنّ الألفاظ الأربعة وقعت في محلّها تماما ولا بديل لها سواها .
ورابعا : جاء الكلام في المقابلة بين ( التّعاون بالإثم