قول السّوء مبالغة ، مثل : « زيد عدل » كما عبّر عن المال الحرام ب ( السّحت ) وهو وصف له . ثمّ إنّ الجمع بين « قول الإثم » و « أكل السّحت » فيه إناقة وتناسق ، فكلاهما صادران عن مصدر واحد ، هو الفم ظاهرا وشره النّفس باطنا ، ولهذا جمعهما في :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ،
كما جمع الإثم والسّحت في قوله :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ .
وفي ذلك تلاؤم في المعنى وتناسق في اللّفظ ، ثمّ تأكيد على اجتنابهما ، وإيماء إلى وحدة منشئهما ، ممّا يبعث على العجب .
وجدير بالذّكر أنّ القرآن جمع بين « سماع الكذب » و « أكل السّحت » أيضا في آية .
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
المائدة : 42 ، والسّمع فعل الأذن ، والأكل فعل الفم ، وهما قريبان ، والسّمع عدل القول عند النّاس ، والقول مصدره الفم كالأكل .
وهناك أمر يلفت النّظر ويدعو إلى التّأمّل ، وهو أنّ ( السّحت ) جاء في القرآن ثلاث مرّات في ثلاث آيات من سورة المائدة ، وهي آخر ما نزل من القرآن على القول المختار ، فما هو السرّ في ذلك ؟ لاحظ « س ح ت » .
وثانيا : جمع في « 2 » بين « أكل المال بالباطل » و « أكله بالإثم » إيحاء إلى وجود علاقة بين الباطل والإثم ؛ فإنّ الباطل فيه خسارة وضرر فلا خير فيه ولا نفع ، وهذا يتّحد مع المفهوم القرآنيّ للإثم في سائر الآيات ، لاحظ « ب ط ل » .
وثالثا : عقّب « أكل الأموال بالإثم » بقوله : ( وأنتم تعلمون ) ، وهذا يدعم ما سبق من التّعمّد في مفهوم الإثم .
الثّامن - وصف من يكتم الشّهادة بأنّه آثم في آيتين :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
البقرة : 283
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ
المائدة : 106
يلاحظ في الأولى - أوّلا : أنّه يدعم أيضا ما تقدّم من شرط التّعمّد في مفهوم الإثم ، وهو - أي التّعمّد - فعل القلب . ثمّ إنّ كلّ إثم منشأه القلب كما أنّ كلّ خير كذلك .
والنّيّة - وهي فعل القلب - معيار للخير والشّرّ ، كما قال الرّسول صلّى اللّه عليه وآله : « إنّما الأعمال بالنّيّات » . وللقلب في القرآن والحديث ميدان واسع ، كيف وهو معقل العلم والإيمان ، ومأوى الكفر والنّفاق ، ولا نجاة إلّا لمن أتى اللّه بقلب سليم ، لاحظ « ق ل ب » .
وثانيا : أنّ النّكتة في اختصاص كتمان الشّهادة « بإثم القلب » لعلّه يرجع إلى أنّ الكتمان بنفسه ليس عملا سوى إمساك عن الشّهادة ، وهو عدم . ولكن منشأه مرض في القلب كالبخل والجبن والبغي ونحوها ، فنسب الكتمان إلى سببه .
والّذي لا مرية فيه أنّ هذا التّعبير بالغ في استهجان العمل وإكباره ، وأنّ كتمان الشّهادة ناشئ عن رجس الباطن وسوء السّريرة . وقد تقدّم في النّصوص التّفسيريّة ما يكفينا عن الإسهاب هنا .
وثالثا : جاء قوله في آخر الآية :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
تقريرا بأنّ الكتمان فعل لا عدم ، كما صرّح القرآن في غيرها من آيات كتمان الشّهادة بنفس الشّيء ، مثل :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ