حقّ المؤمنين مدحا ، ومرّة واحدة نفيا مؤبّدا
( لَنْ نُؤْثِرَكَ )
ذمّا للإيثار .
ولو أضفنا إليه ( يؤثر ) بجعله من الإيثار فهو إثبات ذمّا ، أي أنّهم ينسبون القرآن إلى السّحر على أنّه اختير من بين أنواع السّحر تحقيرا له . وسياق الآية ذمّ لأولئك الكفّار المكذّبين ؛ فالمعادلة العدديّة ثابتة في ( آثر ) كما في ( أثر ) و ( آثار ) حسبما تقدّم .
والرّابع عشر - قال المفسّرون في
تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا
يوسف : 91 ، أي فضّلك بالعلم والجسم والقدرة وحسن الخلق والخلق ، والإحسان والملك والسّلطان والحلم والصّبر والجمال والكمال والجاه والمال ، ونحو ذلك . ولكن يخطر بالبال أنّ فيها معنى الغلبة والسّيطرة أيضا ، أي قد آثرك وسلّطك اللّه علينا فارحمنا .
والخامس عشر - في قوله :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
الأعلى : 16 ، لم يذكر فيه « على الآخرة » ، ولكنّه معلوم من السّياق . ولك أن تقول : ليس المراد إيثار الدّنيا على الآخرة ، بل نفس اختيار الدّنيا والاتّجاه إليها ، أي تختارون اللّذّات العاجلة ، وترضون بها وتطمئنّون إليها ، كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
يونس : 7 .
والسّادس عشر - وأمّا ( أثارة ) فهي اللّفظة الوحيدة في القرآن من هذا الجذر في سورة مكّيّة ، ولها نظائر في ألفاظ مكّيّة كثيرة نادرة ، استعملت مرّة أو مرّتين :
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
الأحقاف : 4
وتدلّ على أشياء :
1 - القلّة أو البقيّة الضّئيلة ، مثلها مثل ( أثرة ) السّاكنة الثّاء ، الدّالّة على المرّة الواحدة .
2 - النّقل من القديم إلى الجديد ، أي من زمن قديم إلى زمن لاحق ، وهذا معلوم من سياق الآية الّتي تطالبهم بأن يقيموا الدّليل على مدّعاهم من كتاب قبل القرآن - وهو دليل نقليّ إلهيّ - ( أو أثارة من علم ) وصل إليهم من آبائهم وأجدادهم ، أو من أمم أخرى ممّا وصل إلى أولئك بالتّجربة أو الرّواية ، أو التّفكير العقليّ ، وهو دليل بشريّ عقليّ ونقليّ .
3 - والأثارة على الرّغم من دلالتها على القناعة بالقليل من الدّليل تؤكّد أوّلا : على أنّه لا يقبل الدّعوى من غير دليل ، وهو ما تحكم به العقول السّليمة والمنطق الحكيم .
وثانيا : على أنّ الدّليل المقبول لا ينحصر في الوحي ولا النّقل ، بل يعمّ كلّما يسلّمه النّاس بفطرتهم وعقولهم ، ويتداولونه في حياتهم ، ويحتجّ به بعضهم على بعض .
4 - أثر يتركه ذلك العلم - المأثور الضّئيل والشّامل - أو ذلك الادّعاء في تصوّر المشاركة في خلق السّماوات والأرض من قبل أصنامهم وأوثانهم ، حسب الآية السّابقة عليها .
5 - شمول هذا الأثر للبعد المعنويّ ، وما سيؤثّر هذا الدّليل - لو كان هناك دليل - في الاقتناع بألوهيّة الأصنام في مشاركتها في الخلق أوّلا ، وفي استحقاق العبادة لها - وهي معنى الألوهيّة - ثانيا .
وأمّا البعد المادّيّ في ( أثارة ) فهو كلّ ما نشأ عن عقيدة الشّرك من الاتّجاه المادّيّ ، وإيثار الحياة الدّنيا