الْأَرْضِ
المؤمن : 82
وثالثا - أنّ الآثار في « 1 » جمع أضيف إلى التّثنية وأريد به واحد ، وهذا هو الفصيح ، وقريب منه
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
المائدة :
6 ، حيث جاء ( وجوه ) و ( أيدي ) و ( مرافق ) جمعا ، ولكلّ إنسان وجه واحد ويدان ومرفقان .
ورابعا - أنّ ( آثار ) في « 1 - 5 » قد يفسّر - كما تقدّم في النّصوص - بمعنى بعد أو المنهاج والسّيرة . والأصل في الجميع هو الأثر الباقي ، والمعنى الزّائد عليه هو مقتضى السّياق والتّركيب . وأمّا بقيّة الآيات فهي بمعنى الأثر الباقي من دون أن يعطي السّياق معنى بعد ونحوه .
وخامسا - أنّ صيغة المفرد في القرآن ( اثر الرّسول ) ، ( اثر السّجود ) ، ( اثري ) يتوضّح فيها البعد المادّيّ ، أي الأثر المحسوس في الأرض أو في الجبهة . وأمّا صيغة الجمع فتتّصل أحيانا بالبعد المادّيّ مثل :
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما ،
وتتّصل أحيانا بالبعد المعنويّ - وهو الأكثر في القرآن - في مثل :
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ،
أي إنّه تعالى أتبع الأنبياء السّابقين بعيسى على نفس نهجهم والأفكار الّتي دعوا إليها ، ومثله :
وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ،
أي نتّبع منهاجهم ونسير بسيرتهم .
أمّا قوله :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ
و
أَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ
فيبدو أنّه ألصق بالبعد المادّيّ ، من حيث الدّلالة على ما صنعوه وشيّدوه ، وهي نتائج ملموسة لفعلهم فيما يمكن أن يرى ويجسّد ، ولك أن تعمّها للمادّيّ والمعنويّ .
وسادسا - أنّ ( آثارهم ) وهي سبعة - كلّها تشير إلى البعد المعنويّ ، وما سواها من المفرد والجمع - وهي سبعة أيضا - تشير إلى البعد المادّيّ ، فلاحظ .
وسابعا - أنّ ( أثر ) مفردا وجمعا ورد « 14 » مرّة ، وغيره فعلا واسما « إثارة » جاء « 7 » مرّات ، والمجموع « 21 » مرّة ، ومعنى هذا أنّ ( أثر ) يشكّل ثلثي الجذر كلّه ، وضعفي عدد مرّات ورود ألفاظ المحورين الآخرين .
ويشير هذا إلى أهمّيّة الدّلالة الأولى للّفظ ، وكونها الأساس الّذي تبتنى عليه دلالات المحورين الآخرين ، فكأنّه الرّابطة الّتي تربط هذه الاستعمالات وتشدّ أواصر بعضها إلى البعض الآخر ، فيتضاعف عددها اللّفظيّ كما تضاعف تأثيرها المعنويّ .
وثامنا - من دقيق اللّطائف القرآنيّة أنّ لفظة ( آثار ) مجرّدة عن الضّمير ، وردت مرّة واحدة وبمعنى المفرد ؛ حيث أنّ ما بعدها دالّ على الإفراد :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الرّوم : 50
فالإحياء أثر واحد لا آثار كثيرة ، وهو المناسب لما يقال في الفلسفة : الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد ، فاللّه واحد وأثره واحد ثمّ تكثّر . ولك أن تقول : الصّادر منه هو رحمة اللّه - وهو « الوجود المنبسط » في قولهم - والمتكثّرات هي آثار رحمته ، والإحياء تفسير لتلك الرّحمة الواحدة ، وهي إعطاء الوجود الّذي هو حقيقة الحياة ، وليس تفسيرا للآثار . وعليه فهي بمعنى الجمع دون المفرد ، وهذا بيان لنظريّة : « الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة » .